رأي

زحمة‭ ‬وقوف‭ ‬وتحرك‭.. ‬خانقة‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬مدننا؟

‭ ‬عثمان‭ ‬القاجيجي

لقد‭ ‬تحول‭ ‬التنقل‭ ‬اليومي‭ ‬داخل‭ ‬معظم‭ ‬المُدن‭ ‬الليبية‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬شاقة‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬وهدر‭ ‬الوقت،‭ ‬بسبب‭ ‬أزمة‭ ‬الازدحام‭ ‬المروري‭ ‬الخانقة‭ ‬التي‭ ‬ألقت‭ ‬بظلالها‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬المواطنين‭ ‬ونشاطهم‭ ‬اليومي‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬البطء‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬وضياع‭ ‬الساعات‭ ‬الطوال‭ ‬خلف‭ ‬مقود‭ ‬السيارة،‭ ‬بل‭ ‬تعداه‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقية‭ ‬مُستعصية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬العجز‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬مواقف‭ ‬آمنة‭ ‬لركن‭ ‬السيارات‭ ‬أثناء‭ ‬التجول‭ ‬لقضاء‭ ‬الحاجات‭ ‬الأساسية‭ ‬واليومية‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المرير‭ ‬يعكس‭ ‬غياباً‭ ‬واضحاً‭ ‬للتخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العمراني،‭ ‬ويتطلب‭ ‬وقفة‭ ‬حازمة‭ ‬لدراسة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بشكل‭ ‬مُعمق‭ ‬ووضع‭ ‬حلول‭ ‬فنية‭ ‬وهندسية‭ ‬عاجلة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬جغرافية‭ ‬وطبيعة‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬انسيابية‭ ‬الحركة‭ ‬وإعادة‭ ‬الانضباط‭ ‬لشوارعنا‭ ‬المُعطلة‭.‬

إن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الاختناق‭ ‬المستمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬عبر‭ ‬المُسكنات‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬تستدعي‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬تنظيم‭ ‬المساحات‭ ‬الحضرية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬توفير‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭ ‬لركن‭ ‬السيارات‭ ‬وإدارتها‭ ‬بشكل‭ ‬ذكي‭ ‬ومتطور‭. ‬إن‭ ‬ترك‭ ‬الحبل‭ ‬على‭ ‬الغارب‭ ‬للركن‭ ‬العشوائي‭ ‬والمزدوج‭ ‬على‭ ‬جنبات‭ ‬الطرق‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وفوق‭ ‬الأرصفة‭ ‬والحدائق،‭ ‬يمثل‭ ‬السبب‭ ‬الأول‭ ‬لشلل‭ ‬حركة‭ ‬السير؛‭ ‬ولذا‭ ‬فإن‭ ‬التخطيط‭ ‬الفني‭ ‬السليم‭ ‬يستوجب‭ ‬استغلال‭ ‬الفضاءات‭ ‬المتاحة‭ ‬وتجهيز‭ ‬ساحات‭ ‬ومبانٍ‭ ‬مخصصة‭ ‬للوقوف‭ ‬تناسب‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬لكل‭ ‬منطقة،‭ ‬مما‭ ‬يُسهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تفريغ‭ ‬المسارات‭ ‬الحيوية‭ ‬وضمان‭ ‬تدفق‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭ ‬دون‭ ‬عوائق‭ ‬تُذكر،‭ ‬ويحفظ‭ ‬للمُدن‭ ‬مظهرها‭ ‬الحضاري‭ ‬المُنظم‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬التكامل‭ ‬والتعاون‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للمرور‮»‬‭ ‬والبلديات‭ ‬كحجر‭ ‬أساس‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لإنجاح‭ ‬أي‭ ‬خطة‭ ‬تنظيمية؛‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتشارك‭ ‬الطرفان‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬سياسات‭ ‬واضحة‭ ‬لاستخدام‭ ‬الطرق‭ ‬العامة‭ ‬وتحديد‭ ‬مواقع‭ ‬الركن‭ ‬المسموح‭ ‬بها‭ ‬بدقة،‭ ‬مع‭ ‬فرض‭ ‬القانون‭ ‬بصرامة‭ ‬ضد‭ ‬المخالفين‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬المُنظمة‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للاستثمار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحصيل‭ ‬البلديات‭ ‬لإيرادات‭ ‬وعوائد‭ ‬الركن،‭ ‬سيُشكل‭ ‬رافداً‭ ‬مالياً‭ ‬مهماً‭ ‬ومستداماً‭ ‬يدعم‭ ‬ميزانياتها‭ ‬المحلية،‭ ‬ويمكّنها‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬استثمار‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البُنية‭ ‬التحتية،‭ ‬صيانة‭ ‬الطرق،‭ ‬وتوسيع‭ ‬شبكات‭ ‬المواقف‭ ‬الذكية،‭ ‬وهي‭ ‬خطوات‭ ‬مُتكاملة‭ ‬ستسهم‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬حلحلة‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬المُزمنة‭ ‬ورفع‭ ‬المعاناة‭ ‬عن‭ ‬كاهل‭ ‬السائق‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى