ثقافةرأي

حواف‭ ‬السرد أحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭ ‬الأديب‭ ‬القاص‭ ‬والباحث‭ ‬في‭ ‬التراث

منصور‭ ‬بوشناف

الصديق‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭ ‬أحد‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبيين‭ ‬القلائل‭ ‬الذين‭ ‬أسلموا‭ ‬قيادهم‭ ‬لشغف‭ ‬الكتابة‭ ‬واشتغلوا‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬قدراتهم‭ ‬الابداعية‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭. ‬أُشرب‭ ‬حب‭ ‬المكان‭ ‬فاتخذ‭ ‬منه‭ ‬بيتًا‭ ‬وموطنًا‭ ‬غاص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬التراث‭ ‬سابرًا‭ ‬دواله‭ ‬ومدلولاته،‭ ‬اكتنز‭ ‬جمالياته‭ ‬وصاغ‭ ‬حكاياته‭ ‬في‭ ‬مجاميع‭ ‬قصصية‭ ‬نصوصها‭ ‬لوحات‭ ‬ومنمنمات‭ ‬طبيعية‭ ‬تحكي‭ ‬المكان‭ ‬والإنسان‭ ‬والحيوان‭ ‬وتكشف‭ ‬عمق‭ ‬العلاقات‭ ‬المتداخلة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭. ‬

كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬نصوصه‭ ‬تستدعي‭ ‬نماذج‭ ‬القص‭ ‬عند‭ ‬الكتاب‭ ‬الروس‭ ‬الذين‭ ‬عنوا‭ ‬بتصوير‭ ‬الطبيعة‭ ‬تشيخوف‭ ‬مثلاً‭ ‬وما‭ ‬وصلنا‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬وادي‭ ‬السند‭ ‬المترجمة‭ )‬كليلة‭ ‬ودمنة‭( ‬نموذجًا‭ ‬لكن‭ ‬أحمد‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ابن‭ ‬المقفع‭ ‬غير‭ ‬معني‭ ‬باستخلاص‭ ‬الحكمة‭ ‬وسردها‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬حيواناته‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬أسلوبًا‭ ‬بل‭ ‬يكتفي‭ ‬برصد‭ ‬حركات‭ ‬شخوصه‭ ‬والتقاط‭ ‬إيماءاتها‭ ‬تاركا‭ ‬أبواب‭ ‬التأويل‭ ‬مشرعة‭ ‬على‭ ‬مصاريعها‭. ‬

أحمد‭ ‬من‭ ‬الكتّاب‭ ‬الذين‭ ‬يكتبون‭ ‬السرد‭ ‬بلغة‭ ‬الشعر‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الكتّاب‭ ‬الذين‭ ‬يجيدون‭ ‬توظيف‭ ‬الإحالة‭ ‬التي‭ ‬أرى‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أساليب‭ ‬الكتابة‭ ‬الشعرية‭. ‬الإحالة‭ ‬أسلوب‭ ‬كتابة‭ ‬مجاف‭ ‬للمباشرة‭ ‬يومئ‭ ‬ولا‭ ‬يصرح‭ ‬يشف‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسطع‭ ‬وهو‭ ‬صنو‭ ‬للمجاز‭ ‬في‭ ‬مجافاته‭ ‬للحقيقة‭. ‬ليست‭ ‬الإحالة‭ ‬المقصودة‭ ‬هنا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬المرجعية‭ ‬مجرد‭ ‬روابط‭ ‬حدّها‭ ‬النص‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬كله‭ ‬نصا‭ ‬لها‭. ‬لكن‭ ‬أحمد‭ ‬المنشغل‭ ‬بالمكان‭ ‬لا‭ ‬تطاوعه‭ ‬كتابة‭ ‬سيرة‭ ‬المكان‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬السيرة‭ ‬سليلة‭ ‬الرواية‭ ‬تتطلب‭ ‬استرسالاً‭ ‬وطول‭ ‬نفس‭ ‬سردي‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬مسافة‭ ‬فاصلة‭ ‬بين‭ ‬الكاتب‭ ‬وبين‭ ‬المكان‭ ‬موضوع‭ ‬الكتابة‭. ‬

ليس‭ ‬لأحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭ ‬الشاعر‭ ‬أن‭ ‬يبقي‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬كافية‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬المكان‭ ‬كي‭ ‬يكتب‭ ‬سيرته‭. ‬فهو‭ ‬وإن‭ ‬كتب‭ ‬سيرة‭ ‬النجع‭ ‬فلن‭ ‬تكون‭ ‬سيرة‭ ‬النجعِ‭ ‬النجعَ‭ ‬ذاته‭ ‬بل‭ ‬النص‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الشاعر‭. ‬مذ‭ ‬تعرفتُ‭ ‬إلى‭ ‬الكاتب‭ ‬الصديق‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭ ‬واطلعتُ‭ ‬على‭ ‬بواكير‭ ‬أعماله‭ ‬واستمعتُ‭ ‬إليه‭ ‬وهو‭ ‬يقرأ‭ ‬علينا‭ ‬نصوصه‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬درنة‭ ‬الثقافي‭ ‬وفي‭ ‬بيوت‭ ‬بعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬ناضحًا‭ ‬بالإيقاع‭ ‬والنبر‭ ‬ونَقْط‭ ‬الجمل‭ ‬وأنا‭ ‬أعتبره‭ ‬شاعرا‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬قاص‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬وبعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنين‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭ ‬الشاعر‭ ‬يمارس‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬السرد‭ ‬بشعرية‭ ‬باذخة‭ ‬تقصر‭ ‬دونها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مجاميع‭ ‬ودواوين‭ ‬الشعر‭ ‬المصفوفة‭ ‬على‭ ‬أرفف‭ ‬المكاتب‭ ‬وإن‭ ‬رآها‭ ‬الغير‭ ‬سردًا‭ ‬وقصًا‭. ‬ترى‭ ‬أي‭ ‬تعويذة‭ ‬سحرية‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يوظفها‭ ‬القاص‭ ‬لإزاحة‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬الكاتب‭ ‬المبدع‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭ ‬المنشغل‭ ‬باستنطاق‭ ‬الهامش‭ ‬وحواف‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى