حين تتحوَّل لحظة انفعال إلى نهاية لا تُراد

لم تكن تريد الطلاق. كانت تريد فقط أن يشعر زوجها بقيمتها، أن يدرك أنها غاضبة، وربما أن يتراجع عن موقفه كما حدث في خلافات سابقة. لكنها لم تكن تعلم أن كلمة واحدة، خرجتْ منها في لحظة انفعال، ستتجاوز حدود الغضب لتصبح واقعًا يغيّر حياتها.
تقول اليوم، وهي تستعيد تفاصيل الحكاية بنبرة يملؤها الندم:
)زوجي كان رجلاً محترمًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، كريم الأخلاق وحنون، وما قصّرش معاي في شيء(.بدأ الخلافُ من موقفٍ يبدو، في ظاهره، بسيطاً.
كان زوجها قد أوصلها إلى منزل أهلها، كما اعتاد، ثم قرَّر أهلها السفر. أخبرته بأنها ستذهب معهم، فطلب منها ألا تسافر، وقال إنه سيعود بعد يومين، أو ثلاثة، وأن الأفضل أن تعود معه إلى بيتها. لكنها أصرتْ.
قال لها: )كان سافرتي..راهو كل واحد فينا في طريق(.
وجاء ردها سريعًا، مدفوعًا بالعناد: )دير اللي يساعدك(. وسافرت.
بعد عودتها، أرسلتْ إليه تسأله:
)إمتى بتجي تاخذني؟(.
لكن الرَّد جاء مختلفًا عما كانتْ تنتظره: )خليكي عند أهلكِ خير(.
في تلك اللحظة، تصاعد الغضب، ولم تعد تفكر في عواقب ما ستقوله. قالت له: )أنتَ منكش قد الزواج .. طلّقني(.
كانتْ تتحدث بانفعال، لكنها لم تكن تتوقع أن تصبح الكلمة قرارًا.
ذهبتْ إلى أهلها، وروتْ لهم ما حدث، ظنًا منها أن تدخلهم قد ينهي الخلاف ويعيد الأمور إلى نصابها.
غير أن الموقف اتسع، ودخل الأبُ والأخُ على خط الأزمة، واشتدتْ المواجهة، وقيلت للزوج كلمات جارحة.
لم يدخل في سجال طويل، ولم يرد الإساءة بمثلها، لكنه اتخذ قراره.
وقع الطلاق ..
انتهتْ الكلماتُ، لكن آثارها لم تنتهِ.
اليوم، ومع اقتراب نهاية عدتها، لم تعد تبحث عن الانتصار في الخلاف، بل عن فرصة لاستعادة ما خسرته. تقول بحسرة:
)والله ما كنت نبي الطلاق..كنت نبي بس يحس بقيمتي. توا مستعدة نعتذر ونترجاه(.
لكن محاولات الإصلاح تصطدم بموقف الزوج:
)هي اللي طلبتْ الطلاق، وبوها وخوها حتى هما(.
وهكذا تحوَّلتْ مشادة عابرة إلى جدار يصعب تجاوزه، وأصبح النَّدم يأتي بعد فوات اللحظة التي كان يمكن فيها للكلمة الطيبة أن تنقذ الموقف.
هذه الحكاية لا تبحث عن مذنبٍ واحدٍ، ولا تمنح أحد الطرفين براءة كاملة.
فكل خلاف زوجي له تفاصيله التي لا يعرفها إلا أصحابه. لكنها تطرح سؤالاً أكبر:
لماذا نستخدم الكلمات المصيرية في لحظات الغضب وكأنها مجرد وسيلة للضغط؟.
فالخلاف في الحياة الزوجية أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ عندما يتحوَّل إلى تحدٍّ، ويصبح الطلاقُ تهديدًا، ويتدخل الآخرون قبل أن يمنح الزوجان نفسيهما فرصة للهدوء والتفاهم.
ما قيل بين زوجين كان يمكن أن يبقى بينهما، لكن دخول الآخرين أحياناً يجعل التراجع أصعب، لأنَّ الخلاف يتحوَّل من مشكلة عاطفية إلى مسألة كرامة ومواقف.
وفي النهاية، قد لا يكون أصعب ما في الطلاق هو لحظة وقوعه، بل اللحظة التي يجلس فيها أحد الطرفين وحيدًا، يستعيد الكلمات التي قالها، ويتمنى لو امتلكَ في تلك اللحظة قدرة الصمت.
فبعض الكلمات تُقال في دقيقة… لكن ثمنها قد يُدفع لسنوات.


