رأي

من يولّونه مسؤولاً أو مديراً على أي مرفق ينهبه ويسرقه

علي العزابي

سُئِل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬جان‭ ‬جاك‭ ‬روسو‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الوطن؟‭ ‬فأجاب‭: ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬فيه‭ ‬مواطنٌ‭ ‬من‭ ‬الثراء‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬مواطنٍ‭ ‬آخر،‭ ‬ولا‭ ‬يبلغ‭ ‬فيه‭ ‬مواطنٌ‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬مضطراً‭ ‬أن‭ ‬يبيع‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬كرامته‭. ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬رغيف‭ ‬الخبز‭ ‬والسقف‭ ‬والشعور‭ ‬بالانتماء،‭ ‬والدفء‭ ‬والإحساس‭ ‬بالكرامة‭. ‬ليس‭ ‬الوطن‭ ‬أرضاً‭ ‬فقط،‭ ‬ولكنه‭ ‬الأرض‭ ‬والحق‭ ‬معاً‭. ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬الأرض‭ ‬معهم‭ ‬فليكن‭ ‬الحق‭ ‬معك‭. ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬خير‭. ‬أما‭ ‬نحن‭ ‬فكيف‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الوطن؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬رؤيتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن؟‭ ‬ماذا‭ ‬قدّمنا‭ ‬للوطن؟‭ ‬لماذا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الوطن‭ ‬وكأنه‭ ‬حقل‭ ‬تجارب‭ ‬لواقعنا‭ ‬اليومي،‭ ‬وانعكاس‭ ‬سلبي‭ ‬لدواليب‭ ‬الحياة‭ ‬الرتيبة‭ ‬والمملة؟‭!  ‬فارتباطنا‭ ‬بهذا‭ ‬الكيان‭ ‬أضحى‭ ‬ارتباطاً‭ ‬مادياً‭: ‬نأخذ‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نريد،‭ ‬ولا‭ ‬نقدّم‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬النزر‭ ‬اليسير‭ ‬مما‭ ‬يريد‭! ‬علاقتنا‭ ‬بالوطن‭ ‬مصلحية‭ ‬نفعية‭ ‬اتكالية،‭ ‬طغت‭ ‬عليها‭ ‬السلبية‭ ‬المقيتة‭ ‬والمصلحة‭ ‬الفردية‭. 

فمن‭ ‬يولّونه‭ ‬مسؤولاً‭ ‬أو‭ ‬مديراً‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬مرفق‭ ‬ينهبه‭ ‬ويسرقه،‭ ‬ولا‭ ‬يتركه‭ ‬إلا‭ ‬هيكلاً‭ ‬محطّماً،‭ ‬وكأنه‭ ‬جسد‭ ‬أنهكه‭ ‬المرض‭ ‬وأخذ‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬أخذ‭!  ‬ومن‭ ‬يكلّفونه‭ ‬بإدارة‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬زراعي‭ ‬أو‭ ‬خدمي‭ ‬يتعامل‭ ‬معه‭ ‬وكأنه‭ ‬ملكٌ‭ ‬له،‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬التصرف‭ ‬فيه‭ ‬دون‭ ‬غيره‭. ‬لا‭ ‬يستشير‭ ‬ولا‭ ‬يقبل‭ ‬استشارة‭ ‬أحد‭. ‬إن‭ ‬رُصدت‭ ‬له‭ ‬الميزانيات‭ ‬أهدرها‭ ‬وبعثرها‭ ‬وشتت‭ ‬شملها،‭ ‬غير‭ ‬مبالٍ‭ ‬أو‭ ‬مكترث‭ ‬بدولة‭ ‬أو‭ ‬قانون‭. ‬ولا‭ ‬يرف‭ ‬لهم‭ ‬جفن،‭ ‬ولا‭ ‬يتحرك‭ ‬لهم‭ ‬شعور‭ ‬ولو‭ ‬بالرفض‭ ‬وعدم‭ ‬الرضا‭. ‬انسلخوا‭ ‬وأصابهم‭ ‬العمى،‭ ‬وماتت‭ ‬ضمائرهم،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬اسم‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬قاموسهم‭ ‬يمثل‭ ‬لهم‭ ‬شيئاً‭ ‬ولو‭ ‬مثقال‭ ‬ذرة‭! ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬الأمل،‭ ‬هو‭ ‬النبض،‭ ‬هو‭ ‬الهواء‭ ‬والماء‭ ‬والحياة‭. ‬هو‭ ‬الأرض‭ ‬والعرض‭ ‬والإحساس‭ ‬والشعور‭ ‬بالانتماء‭. ‬هو‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضاهيه‭ ‬حب‭ ‬سواه‭. ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬المسكون‭ ‬في‭ ‬قلوبنا‭ ‬كشجرة‭ ‬خضراء‭ ‬وارفة‭ ‬الظلال،‭ ‬أصلها‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وفرعها‭ ‬في‭ ‬السماء‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى