كان الميت فيما مضى تكفيه كلمة. «رحمه الله» تخرج من قلب صادق، فتصل. وكان الفقير والغني، والمعروف والمجهول، سواءً في الدعاء، وسواءً في الذكر. أما اليوم فقد تأدلج كل شيء. حتى الترحم. وحتى الذكرى. صار للترحم «طرائق و»أنواع». فمن الناس من ترحم على ميته بإقامة صدقة جارية، كحفر بئر أو بناء مسجد. ومنهم من ترحم بأداء عمرة أو حجة. جماعية أو فردية. ومنهم من ترحم بإقامة ذكرى وتوزيع مطبوعات. أو توزيع مصاحف أو ملصقات ووضعها في مسجد.. وليس في هذا بأس، إن كان خالصاً لله. ولكن البأس كل البأس، حين صار هذا هو الميزان.
حين أصبحت قيمة الميت تُقاس بحجم ما يُقام على روحه. وحين دخلنا في تسابقٍ صامتٍ: من يذكر أكثر، يُترحم عليه أكثر. حتى الجنائز لم تسلم. ومحافل التأبين أيضا. فجنازة تُشيعها الجموع والكاميرات، وجنازة يمشي فيها نفر قليل. وحتى القبور صار لها «أنواع». قبر رخامي فخم في مكان ظاهر، وقبر بسيط في زاوية نائية. ومكان المقبرة واسمها وموقعها.. وكأن التراب الذي سيأكلنا جميعاً صار يفرق بيننا.
وحتى الفكر صار مؤدلجاً. فالمعارضة يجب أن تكون على نهج فلان، والموافقة يجب أن تكون على طريقة فلان. كأن العقل نفسه صار لا يملك أن يقول إلا ما قاله غيره…هنا مكمن الخطر. أن نصل يوماً فنظن أن الدعاء المجاني «ناقص» ويحتاج إلى ترقية. وأن ننتظر إعلاناً عن «باقة الترحم الذهبية» حتى نترحم على موتانا. وأن من لا يملك ثمن لافتة أو صدقة معلنة، لا يستحق أن يُذكر. وأن الفقير الذي لا منصب له، قد يُحرم حتى من أن يُترحم على روحه. أي عبث هذا؟ أيُعقل أن نُقسم الناس في الحياة درجات، ثم نعود فنقسمهم في الموت درجات أخرى؟
دعوة للاقتداء.. تعالوا نُحي الفكرة الأولى، الفكرة النقية. فكرة أن الدعاء دعاء… لا دعاية. وأن الرحمة رحمة… لا مغنم. فلنُكثر من الدعاء الخفي. «اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين» دعوة واحدة في السجود، خير من ألف إعلان لا يصل. لنتذكر أن الموتى عند الله سواسية. فلا يجب أن يختلف الدعاء لهم، ولا طريقة دفنهم، ولا نوع قبورهم، ولا مكانها. الرحمة لا تحتاج إلى واسطة. والذكر لا يحتاج إلى فاتورة. «[إن أكرمكم عند الله أتقاكم]»… أحياءً وأمواتاً.
الترحم ليس سلعة.. الدعاء ليس دعاية.. الموتى سواسية.. الله يرحم أخي الغالي الصادق كان مرجع لي في مثل هذه المقالات.. الله يرحمه ويغفر له الله يرحم أمي وأبي واخواتي والله يرحم جيراني وأقاربي وأصحابي اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين أجمعين يا رب العالمين.


