
تفضلتْ اللجنة الموقرة التي قامتْ بطباعة مضابط مجلس النَّواب والشيوخ في دولة الاستقلال عندما فرغتْ من مهمتها التاريخية هذه، وأصدرتْ عملها التاريخي هذا في ثوبه القشيب، ورأتْ أن تضعه تحت تصرف من آنستْ فيهم الأهلية للاطلاع وإبداء ما عساه يكون لديهم حوله من ملاحظات التدقيق، أو عبارات الثناء، وتكرمتْ مشكورة فحسبتني ضمن من وافتهم بمجموعة كاملة من العمل، فحمدتُ الله أولاً على توفيقه للاهتمام بهذه الوثائق من نسخها الأولى بعد أن ألهمني في وقت مبكر إلى حضور عديد الجلسات التي كانتْ قد عُقِدَتْ في منتصف خمسينيات القرن الماضي ونحن نتابع ما يجري في تلك المجالس من منطلق المتابعة وتعميق التجربة من خلال نشاط جيل الآباء وما كان يلوح من مناقشاتهم ومواقفهم ومحاججاتهم لبعضهم، فتعين أن نشيد بهذا الانجاز الثمين وما عبّرَ عنه من احترام السابقين عملاً لا قولاً وتقديرًا لما يزخر به هذا التراث من حرص صادق على الاستفادة من الماضي وما تم فيه من جهود مشرفة أسهمتْ بمهمة التأسيس ووثَّقت للمستوى المعرفي الذي اشتهر به أولئك الآباء من خلال ما دُوِّنَ من آراء حول ما اتُخِذَ من سياسات وأُنفِقَ من مصروفات وأُسنِدَ من سلطات وأُبدِيَ بالضرورة من الانتقادات والتوصيات، باعتباره انطلق من مجلس النواب الذي تشكل عقب أول انتخابات أُجرِيَتْ في مطلع الخمسينيات عندما بدأ ببعض الأسماء التي تصدرها المرحوم عبد المجيد كعبار أول من ترأس ذلك المجلس عقب أول انتخابات أُجريتْ في مطلع الخمسينيات كما أشرتُ، إلى أن خلفه في الرئاسة الشيخ سالم القاضي، ومن ثم السيد مفتاح عريقيب. عندما تنقلوا ثلاثتهم من رئاسة مجلس النواب إلى حمل حقائب الوزارات التي تنوعت بين القطاع المحدد وصفه، ووزارة الدولة المنوطة عادة بتقديرات رئيس الوزراء، فقد غادر السيد عبد المجيد كعبار رئاسة المجلس إلى مقعد وزارة المواصلات ونيابة رئيس الوزراء في حكومة مصطفى بن حليم، ومثله الشيخ سالم القاضي فيما تنقل السيد مفتاح عريقيب بين الوزارة والرئاسة وقد اشتهر بالسعي للتخلص من كل منافس مجاهر بموقفه أو بدا منه ما يشي بذلك، كان يُلاحظ عليه تجميع الأعضاء أثناء لقاءات الاستراحة، أو اجتماعات اللجان، أو التكتل في طلبات المناقشة واللجان الاستثنائية فيلاحظ في كثير التشكيلات الوزارية، أو شغل مقاعد الشيوخ ما يفيد بحرص السيد مفتاح عريقيب بتصفية كل من قد ينذر بالمنافسة فترى في اختيار بعض الوزراء من النواب الذين يُنتظَر منهم مثل ذلك الموقف على نحو ما رأينا في إسناد الحقائب الوزارية لأمثال الهادي القعود، وحامد أبو سريويل، أو عضوية الشيوخ كما حدث مع الطاهر العقبي
وبالجملة فإن محتويات المضابط المذكورة خير ما يدل على عديد التوجهات وأن جيل تلك الأيام لم يكن كما صورته بعض الدعايات المغرضة عندما نعتتهم بغير ما كان يظهر من مناقشاتهم والقرارات المتعلقة بدوائرهم فلم تنتبه لقوي وعيهم وجرأة قراراتهم وسعدًا لمن قرأ بوعي واستفاد مما وعى.


