الصين المنفتحة على العالم تمثل فرصة لتنمية أفريقيا
سعادة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى ليبيا "ما شيوي ليانغ"

كثرت بعض الدول ووسائل الإعلام في السنوات الأخيرة ترويج الادعاءات بأن الصين «تسحب السلم بعد صعودها»، وأن صادراتها «تزاحم الآخرين»، وأنها تمارس «استنزافا صافيا» لمصالحهم، في محاولة لإرجاع سبب التحولات الهيكلية التي تشهدها المنافسة الصناعية العالمية إلى عامل واحد هو الصين. وهذه الادعاءات ليست في حقيقتها سوى صيغ جديدة من نظريتي «التهديد الصيني» و«الصدمة الصينية»؛ وهي تجافي الحقائق بصورة صارخة وتأدي إلى أضرار بالغة. والحقيقة أن تنمية الصين لم تحرم البلدان الأخرى من فرص التنمية، بل توفر لدول العالم منتجات وفيرة وسوقا هائلة الحجم.
ففي عام 2025، بلغ إجمالي الصادرات والواردات السلعية الصينية 45.47 تريليون يوان، بزيادة قدرها 3.8 في المائة على أساس سنوي؛ فيما بلغ حجم تجارتها مع الدول المشاركة في بناء «الحزام والطريق» 23.60 تريليون يوان، بزيادة قدرها 6.3 في المائة. وتدل هذه الأرقام على أن الصين ليست قاعدة رئيسية للتصنيع والتصدير في العالم فحسب، بل هي أيضا سوق استيراد هائلة الحجم.
أما وصف التقسيم الطبيعي للعمل في التجارة الدولية بأنه «مزاحمة» بل «استنزاف»، فيتجاهل واقع الترابط بين سلاسل الصناعة العالمية ويحجب حقيقة أن الدول تحقق التنمية المشتركة من خلال توظيف مزاياها النسبية.
ولا يقتصر دور الصين الفعلي في التقسيم الدولي للعمل بأي حال على «إنتاج السلع وتصديرها».
فقد نجحت الصين، بفضل عقود من التنمية، في بناء منظومة صناعية متكاملة تغطي مختلف القطاعات وتتميز باكتمال حلقاتها الداعمة، كما راكمت قدرات شاملة قوية في مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي وغيرها؛ وهو ما يوفر دعما مهما للشركات العالمية في خفض تكاليف الإنتاج ورفع كفاءة سلاسل الإمداد.
وفي الوقت نفسه، تواصل السوق الصينية الهائلة استيعاب السلع والموارد من مختلف أنحاء العالم، بما يوفر طلبا مستقرا للبلدان التي تعتمد اقتصاداتها على الموارد أو المنتجات الزراعية أو الصناعة التحويلية.
وأفريقيا خير مثال على ذلك: فقد ارتفع حجم التجارة بين الصين وأفريقيا من أقل من 40 مليار دولار أمريكي عام 2005 إلى 348 مليار دولار عام 2025. وتستورد الصين من أفريقيا الطاقة والمعادن والمنتجات الزراعية، وتزودها في المقابل بالآلات والمعدات والمنتجات الإلكترونية ووسائل النقل والسلع الاستهلاكية اليومية، ليتشكل بذلك نمط من التعاون قوامه «تكامل الموارد، والتعاون الصناعي، وترابط الأسواق».
ومن ثم، يصعب للاعاءات بأن الصين «تستنزف بصورة صافية» مصالح الدول الأخرى عن طريق التجارة تفسير هذه العلاقة التجارية المتبادلة التي ظلت تتوسع على المدى الطويل وتتزايد بنيتها تنوعا باستمرار.
إن مبادرة الصين خلال السنوات الأخيرة إلى فتح أسواقها على نطاقأوسع تدحض تماما ادعاء «سحب السلم». اعتبارا من 1 ديسمبر 2024، بدأت الصين تطبيق المعاملة ذات الرسوم الجمركية الصفرية على 100 في المائة من بنود التعريفة الجمركية لجميع البلدان الأقل نموا التي تقيم علاقات دبلوماسية معها، ومن بينها 33 دولة أفريقية؛ واعتبارا من 1 مايو 2026، بدأت تطبيق المعاملة ذاتها على الدول الأفريقية العشرين الأخرى التي تقيم معها علاقات دبلوماسية، وبذلك باتت السياسة تغطي جميع الدول الأفريقية الـ53 التي تربطها علاقات دبلوماسية بالصين، ومنها ليبيا.
وبعد تطبيق هذه السياسة، بلغت قيمة واردات الصين من أقل البلدان الأفريقية نموا 21.42 مليار دولار أمريكي خلال الفترة من ديسمبر 2024 إلى مارس 2025، بزيادة قدرها 15.2 في المائة على أساس سنوي؛ وهو ما يثبت أن خفض الرسوم الجمركية يقلل بصورة فعالة تكلفة دخول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية ويوسع فرص تصديرها. كما بلغ حجم التجارة بين الصين وأفريقيا في عام 2025 نحو 348.052 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 17.7 في المائة على أساس سنوي، ما يعكس بدوره أن فتح السوق على نطاق أوسع يتحول إلى نمو تجاري ملموس.
وبالنسبة إلى ليبيا، تكتسب السوق الصينية الهائلة أهمية واقعية خاصة. ففي عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وليبيا 4.84 مليار دولار أمريكي، ومثلت واردات الصين من ليبيا نحو 800 مليون دولار منه؛ في حين بلغت صادرات الصين إلى ليبيا 4.04 مليار دولار، موفرة لليبيا كميات كبيرة من الآلات والمعدات والمركبات ومواد البناء والمنتجات الإلكترونية وغيرها من المواد الضرورية للإنتاج والحياة اليومية.
واعتبارا من مايو 2026، أدرجت الصين ليبيا رسميا ضمن قائمة الدول الأفريقية الـ53 التي تقيم علاقات دبلوماسية معها والمشمولة بسياسة المعاملة الجمركية الصفرية.
وهذا يعني أن السلع الليبية المستوفية للشروط ستتمتع بميزة سعرية أكبر وفرص أوسع في السوق الصينية.
وبالنسبة إلى ليبيا، لا يقتصر أثر ذلك على توفير سوق أكثر استقرارا لصادراتها التقليدية، وفي مقدمتها النفط، بل يتيح أيضا لمنتجاتها المميزة، مثل زيت الزيتون والمنتجات البحرية والمحاصيل الزراعية، ولطائفة أوسع من المنتجات غير النفطية مستقبلا، فرصة دخول السوق الصينية ذات القدرة الاستهلاكية الهائلة.
وستكون الصين شريكا مهما لليبيا في توسيع صادراتها وجذب الاستثمارات وتعزيز تنويع قطاعاتها الإنتاجية.


