
من غرائب المسؤول في وطني أنه لا يكتفي بإقصاء المواطن من المشاركة والقرار، بل يصر إصرارا عجيبا على إقصائه حتى من مجرد العلم والإلمام بأبسط المعلومات التي تمس حياته ومصيره.
إنه لا يريد مواطنا مطلعا، بل يريده حائرا، ولذلك يتعمد من خلال إعلامه الموجه أن يضعه عمدا داخل دائرة مغلقة من الحيرة، فيطلق الأنباء متضاربة، خبر ينفي خبرا، وتصريح يكذب تصريحا، حتى لا يعود المواطن يعرف أين الحقيقة، فيزداد خوفا وتزداد حيرته. وعندما تقع الأحداث الكبرى والمهمة التي تحدد مصير الوطن، تجد الجميع قد حضر، حضر المسؤول والمحلل والخبير والمبعوث والوسيط، حضر القريب والبعيد، إلا المواطن، فهو الغائب الوحيد عن المشهد رغم أنه صاحب الشأن وصاحب الأرض. وحتى الفتات الإعلامي الذي يرمى له لا يسمن ولا يغني، فالمعلومات التي يتحصل عليها عبر الإعلام متضاربة ومبتورة، تحتاج إلى تحليل، والمحللون أنفسهم يحتاجون إلى من يحللهم، وأحيانا إلى مترجمين ليفكوا طلاسم كلامهم، فيغرق المواطن أكثر في متاهة التجهيل الممنهج، فلا هو يعرف ميزانيته ولا ثروته ولا اتفاقياته، ويصبح آخر من يعلم، يقرأ أخبار وطنه من الوكالات الأجنبية كأنه غريب في وطنه. ولكن لماذا كل هذا التصعيب؟ ولماذا هذا السد المنيع بين المواطن والسياسة؟
الجواب بسيط ومخيف في نفس الوقت.. لأنهم يعلمون أن المواطن إذا فهم سيسأل، وإذا سأل سيحاسب، وإذا حاسب سيفضحهم ويكشف زيفهم. فالسياسة في عرفهم ليست شأنا عاما، بل مزرعة خاصة، وملكية مقدسة لا يجوز للمواطن الاقتراب منها، لذلك يرفعون سورها ويعقدون لغتها ويجعلونها طلاسم وشعوذة، حتى ييأس المواطن ويقول مقولتهم المشهورة التي زرعوها في عقله: السياسة نجاسة دعها لأهلها.
ولإحكام هذا السد، جندوا فرقة المطبلين.. فرقة وظيفتها التطبيل لكل قرار، والتبرير لكل فشل، وتخوين كل من يسأل، هم حراس المزرعة وحملة مباخرها.. يصفقون للمسؤول إذا سافر، ويصفقون إذا عاد، ويبشرون المواطن الحائر بأن الجوع إنجاز، وأن الحيرة حكمة، وأن الإقصاء مصلحة وطنية.. وبهذا يضمنون بقاءهم وحيدين في المزرعة يفعلون ما يشاءون بلا رقيب ولا حسيب، بينما المواطن يقف خلف السد حائرا، والمطبل يرقص أمامه على أنغام الوهم.

