رأي

المواطن آخر من يعلم والمطبل أول من يطبل..

عطيه محمد عبد العالي

من‭ ‬غرائب‭ ‬المسؤول‭ ‬في‭ ‬وطني‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بإقصاء‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬والقرار،‭ ‬بل‭ ‬يصر‭ ‬إصرارا‭ ‬عجيبا‭ ‬على‭ ‬إقصائه‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬العلم‭ ‬والإلمام‭ ‬بأبسط‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬حياته‭ ‬ومصيره‭.‬

إنه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬مواطنا‭ ‬مطلعا،‭ ‬بل‭ ‬يريده‭ ‬حائرا،‭ ‬ولذلك‭ ‬يتعمد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعلامه‭ ‬الموجه‭ ‬أن‭ ‬يضعه‭ ‬عمدا‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬من‭ ‬الحيرة،‭ ‬فيطلق‭ ‬الأنباء‭ ‬متضاربة،‭ ‬خبر‭ ‬ينفي‭ ‬خبرا،‭ ‬وتصريح‭ ‬يكذب‭ ‬تصريحا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬المواطن‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فيزداد‭ ‬خوفا‭ ‬وتزداد‭ ‬حيرته‭. ‬وعندما‭ ‬تقع‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬والمهمة‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬مصير‭ ‬الوطن،‭ ‬تجد‭ ‬الجميع‭ ‬قد‭ ‬حضر،‭ ‬حضر‭ ‬المسؤول‭ ‬والمحلل‭ ‬والخبير‭ ‬والمبعوث‭ ‬والوسيط،‭ ‬حضر‭ ‬القريب‭ ‬والبعيد،‭ ‬إلا‭ ‬المواطن،‭ ‬فهو‭ ‬الغائب‭ ‬الوحيد‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬الشأن‭ ‬وصاحب‭ ‬الأرض‭. ‬وحتى‭ ‬الفتات‭ ‬الإعلامي‭ ‬الذي‭ ‬يرمى‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬يسمن‭ ‬ولا‭ ‬يغني،‭ ‬فالمعلومات‭ ‬التي‭ ‬يتحصل‭ ‬عليها‭ ‬عبر‭ ‬الإعلام‭ ‬متضاربة‭ ‬ومبتورة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحليل،‭ ‬والمحللون‭ ‬أنفسهم‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحللهم،‭ ‬وأحيانا‭ ‬إلى‭ ‬مترجمين‭ ‬ليفكوا‭ ‬طلاسم‭ ‬كلامهم،‭ ‬فيغرق‭ ‬المواطن‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬التجهيل‭ ‬الممنهج،‭ ‬فلا‭ ‬هو‭ ‬يعرف‭ ‬ميزانيته‭ ‬ولا‭ ‬ثروته‭ ‬ولا‭ ‬اتفاقياته،‭ ‬ويصبح‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يعلم،‭ ‬يقرأ‭ ‬أخبار‭ ‬وطنه‭ ‬من‭ ‬الوكالات‭ ‬الأجنبية‭ ‬كأنه‭ ‬غريب‭ ‬في‭ ‬وطنه‭. ‬ولكن‭ ‬لماذا‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التصعيب؟‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬السد‭ ‬المنيع‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والسياسة؟

الجواب‭ ‬بسيط‭ ‬ومخيف‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭.. ‬لأنهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬إذا‭ ‬فهم‭ ‬سيسأل،‭ ‬وإذا‭ ‬سأل‭ ‬سيحاسب،‭ ‬وإذا‭ ‬حاسب‭ ‬سيفضحهم‭ ‬ويكشف‭ ‬زيفهم‭. ‬‮ ‬فالسياسة‭ ‬في‭ ‬عرفهم‭ ‬ليست‭ ‬شأنا‭ ‬عاما،‭ ‬بل‭ ‬مزرعة‭ ‬خاصة،‭ ‬وملكية‭ ‬مقدسة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬للمواطن‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها،‭ ‬لذلك‭ ‬يرفعون‭ ‬سورها‭ ‬ويعقدون‭ ‬لغتها‭ ‬ويجعلونها‭ ‬طلاسم‭ ‬وشعوذة،‭ ‬حتى‭ ‬ييأس‭ ‬المواطن‭ ‬ويقول‭ ‬مقولتهم‭ ‬المشهورة‭ ‬التي‭ ‬زرعوها‭ ‬في‭ ‬عقله‭: ‬السياسة‭ ‬نجاسة‭ ‬دعها‭ ‬لأهلها‭.‬

ولإحكام‭ ‬هذا‭ ‬السد،‭ ‬جندوا‭ ‬فرقة‭ ‬المطبلين‭.. ‬فرقة‭ ‬وظيفتها‭ ‬التطبيل‭ ‬لكل‭ ‬قرار،‭ ‬والتبرير‭ ‬لكل‭ ‬فشل،‭ ‬وتخوين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يسأل،‭ ‬هم‭ ‬حراس‭ ‬المزرعة‭ ‬وحملة‭ ‬مباخرها‭.. ‬يصفقون‭ ‬للمسؤول‭ ‬إذا‭ ‬سافر،‭ ‬ويصفقون‭ ‬إذا‭ ‬عاد،‭ ‬ويبشرون‭ ‬المواطن‭ ‬الحائر‭ ‬بأن‭ ‬الجوع‭ ‬إنجاز،‭ ‬وأن‭ ‬الحيرة‭ ‬حكمة،‭ ‬وأن‭ ‬الإقصاء‭ ‬مصلحة‭ ‬وطنية‭.. ‬وبهذا‭ ‬يضمنون‭ ‬بقاءهم‭ ‬وحيدين‭ ‬في‭ ‬المزرعة‭ ‬يفعلون‭ ‬ما‭ ‬يشاءون‭ ‬بلا‭ ‬رقيب‭ ‬ولا‭ ‬حسيب،‭ ‬بينما‭ ‬المواطن‭ ‬يقف‭ ‬خلف‭ ‬السد‭ ‬حائرا،‭ ‬والمطبل‭ ‬يرقص‭ ‬أمامه‭ ‬على‭ ‬أنغام‭ ‬الوهم‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى