
لا تتعامل الصين مع الذكاء الاصطناعي بوصفه سباقًا تكنولوجيًا عابرًا، بل باعتباره معركة استراتيجية على مستقبل الاقتصاد العالمي. ولهذا تبني بكين منظومة متكاملة تجمع بين الاستثمار، والبحث العلمي، والشركات التقنية، وإعادة تشكيل التعليم الجامعي بما يتلاءم مع اقتصاد المستقبل.
وتكشف الأرقام حجم التحرك الصيني. فبحسب تقديرات Morgan Stanley، تستحوذ الصين على نحو 15% من شركات الذكاء الاصطناعي حول العالم، فيما تصل حصتها إلى نحو 40% من كبرى نماذج الذكاء الاصطناعي عالميًا، ما يعكس اتساع قدرتها على تطوير التقنيات وتطبيقها تجاريًا.
غير أن الرهان الأكثر أهمية يتمثل في العنصر البشري. ووفق Stanford AI Index 2025، يضم قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين نحو مليون متخصص، أي قرابة ثلاثة أضعاف القوة العاملة في المجال داخل الولايات المتحدة. كما تشير بيانات أخرى إلى أن 47% من أبرز باحثي الذكاء الاصطناعي في العالم درسوا في الصين.
تمثل الجامعات إحدى أهم ساحات هذه المعركة. فخلال السنوات الخمس ألغت أو أوقفت الصين نحو 12,200 شعبة وتخصص جامعي، واستحدثت نحو 10,200 أخرى، ضمن عملية واسعة لإعادة هيكلة التعليم العالي وربطه باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل. واتجهت التخصصات الجديدة بصورة متزايدة نحو الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والعلوم الرقمية والهندسة المتقدمة.
هكذا، لا تكتفي الصين ببناء نماذج ذكية، بل تبني البيئة التي تنتجها، وهي جامعات تعيد تشكيل تخصصاتها، وملايين الكفاءات، وشركات تتحول إلى محركات للابتكار. وفي هذه المعركة، يبدو أن بكين لا تنتظر المستقبل؛ بل تحاول صناعته.

