رأي

مائة عام على مولد معين بسيسو

أمين مازن

لم‭ ‬يشأ‭ ‬الحريصون‭ ‬من‭ ‬إخواننا‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أن‭ ‬يتركوا‭ ‬الأيام‭ ‬تمر‭ ‬دون‭ ‬التذكير‭ ‬بما‭ ‬سطرتُه‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬بعض‭ ‬الذين‭ ‬قُدِّرَ‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتركوا‭ ‬بصماتهم‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬تاريخنا‭ ‬وجرحه‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬نزيفه‭ ‬بالجسد‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬حملته‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬أوصاف‭ ‬النكبة،‭ ‬أو‭ ‬النكسة‭ ‬إلا‭ ‬وكان‭ ‬الشاعر‭ ‬والمناضل‭ ‬‮«‬معين‭ ‬توفيق‭ ‬بسيسو‮»‬‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬ثقافة‭ ‬وسياسة‭ ‬منذ‭ ‬تطويره،‭ ‬لما‭ ‬بدأ‭ ‬به‭ ‬الشاعر‭ ‬أبو‭ ‬سلمى‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية‭ ‬الحديثة‭ ‬بما‭ ‬جاء‭ ‬أكثر‭ ‬وعيا‭ ‬وتأثيرا‭ ‬طوال‭ ‬ذلك‭ ‬العمر‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬الحادي‭ ‬والثلاثين‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬مائة‭ ‬عام،‭ ‬نهض‭ ‬بالتذكير‭ ‬بها‭ ‬المثقف‭ ‬والشاعر‭ ‬والأكاديمي‭ ‬المتوكل‭ ‬طه‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬الصوت‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬أحرج‭ ‬الظروف‭  ‬وأصعبها‭ ‬لإدراكه‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬لذلك‭ ‬الدور‭ ‬المبكر‭ ‬الذي‭ ‬خلده‭ ‬معين‭ ‬بسيسو‭ ‬شعرا‭ ‬وعملا،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬احتفظت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬كثيرة‭ ‬بوصفها‭ ‬الخاص‭ ‬عندما‭ ‬زاوج‭ ‬معين‭ ‬بين‭ ‬الموقف‭ ‬النضالي‭ ‬فلسطينيا‭ ‬وعربيا‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الأممي‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬ثمنه‭ ‬مبكرا‭ ‬وتحدث‭ ‬عنه‭ ‬كثيرا‭ ‬ونحن‭ ‬نلتقيه‭ ‬شأن‭ ‬عديد‭ ‬المثقفين‭ ‬الليبيين‭ ‬الذين‭ ‬طالما‭ ‬راهنوا‭ ‬على‭ ‬عديد‭ ‬الناضجين‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكوكبة‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬والعمل‭ ‬الجمعي‭ ‬ولم‭ ‬تقبل‭ ‬سوى‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تعيش‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬التقدم‭ ‬إبداعا‭ ‬وعملا،‭ ‬وقد‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصون‭ ‬من‭ ‬عرفت‭ ‬بعدم‭ ‬الإثقال‭ ‬عليهم‭ ‬عشية‭ ‬التحضير‭ ‬للشروع‭ ‬في‭ ‬المقاومة‭ ‬المسلحة‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬67‭ ‬عندما‭ ‬كانوا‭ ‬أولئك‭ ‬التكنوقراط‭ ‬من‭ ‬أطباء‭ ‬ومهندسين‭ ‬وحرفيين‭ ‬قد‭ ‬دخلوا‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬مع‭ ‬الليبيين،‭ ‬وكانوا‭ ‬مثالا‭ ‬للمقدرة‭ ‬المهنية‭ ‬والتكتم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يستعدون‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مهمات‭ ‬في‭ ‬مرونة‭ ‬وترفع‭ ‬عن‭ ‬الارتزاق،‭ ‬وكانت‭ ‬أمسيات‭ ‬مقهى‭ ‬الأرورا‭ ‬وما‭ ‬سواها‭ ‬بشارع‭ ‬الاستقلال‭ ‬تمثل‭ ‬الموائد‭ ‬المستديرة‭ ‬عشية‭ ‬التحضير‭ ‬للمؤتمر‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬أزمة‭ ‬إزاحة‭ ‬الشقيري‭ ‬والدفع‭ ‬بياسر‭ ‬عرفات‭ ‬بوصفه‭ ‬الأنسب‭ ‬للمرحلة،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬ليبيا‭ ‬ذلك‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬سبتمبر‭ ‬69‭ ‬وما‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬فرز‭ ‬بدأت‭ ‬بالواقع‭ ‬الليبي‭ ‬وامتدت‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬عندما‭ ‬استطاع‭ ‬النظام‭ ‬المذكور‭ ‬أن‭ ‬يجتاز‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬ويحقق‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬عجز‭ ‬عنه‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬التدخلات،‭ ‬تعويلا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نجح‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تمرير‭ ‬عديد‭ ‬المواقف‭ ‬اليمينية‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يسميه‭ ‬باليسار‭ ‬الجديد،‭ ‬وتدبير‭ ‬بعض‭ ‬التجمعات‭ ‬المدنية‭ ‬تحت‭ ‬شعارات‭ ‬الرفض،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أنجزت‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تدري‭ -‬ربما‭- ‬ما‭ ‬اعتقدت‭ ‬خلافه‭ ‬طبقا‭ ‬لذلك‭ ‬المخطط‭ ‬الذي‭ ‬وضعته‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬وثائقها‭ ‬عقب‭ ‬حرب‭ ‬67‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬الليبي‭. ‬بقي‭ ‬أن‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬دافع‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الترحم‭ ‬على‭ ‬الصديق‭ ‬الراحل‭ ‬معين‭ ‬بسيو،‭ ‬لنذكر‭ ‬بخير‭ ‬تلك‭ ‬الكوكبة‭ ‬من‭ ‬الأشقاء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬عمر‭ ‬علي‭ ‬وفاروق‭ ‬البربري‭ ‬وغازي‭ ‬الخليلي‭ ‬وزياد‭ ‬جبريل‭ ‬وفائق‭ ‬الدجاني‭ ‬وسفيان‭ ‬العلمي‭ ‬وناجي‭ ‬علوش‭ ‬ورشاد‭ ‬أبوشاور‭ ‬ويحي‭ ‬يخلف‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬الشاعر‭ ‬جميل‭ ‬حمادة‭ ‬الذي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أثبتنا‭ ‬بحضوره‭ ‬صوت‭ ‬فلسطين‭ ‬أثناء‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الملتقيات‭ ‬القومية‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يتخذ‭ ‬الثقافة‭ ‬وسيلة‭ ‬لتمرير‭ ‬خطاب‭ ‬التقدم‭ ‬ومن‭ ‬يجنح‭ ‬إلى‭ ‬تسخيرها‭ ‬للارتزاق‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الهتاف‭ ‬وترديد‭ ‬الشعارات‭ ‬المفرغة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬محتوى‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى