
في ليبيا، لا تأتي العتمة وحدها. تدخل بهدوء، تجلس في الغرف، تطفئ شاشة، وتقطع صفحة في منتصف كتاب، وتترك قارئًا أمام جملة لم يعرف كيف تنتهي. ثم تمضي، كأن شيئًا لم يحدث.
نعتادها شيئًا فشيئًا. نضحك عليها أحيانًا، نشعل شمعة، نبحث عن مولد قريب، ونواصل حياتنا كما لو أن البلاد لا ينقصها سوى بضع ساعات من الضوء. لكن ثمة أشياء لا تعود حين يعود التيار.
تتأخر أمسية. تُلغى محاضرة. يغلق مركز ثقافي أبوابه. يؤجل كاتب موعده مع الكتابة. ويجلس المثقف، الذي يفترض أن يكون مشغولًا بأسئلة أكبر من يومه، منشغلًا بالسؤال الأكثر بدائية: هل سيبقى الضوء حتى نهاية هذه الصفحة؟
المؤلم أن العتمة لم تعد في الشوارع فقط. ثمة عتمة أخرى، أكثر خفاءً، تسللت إلى الأشياء التي كان ينبغي أن تضيء الطريق: إلى المؤسسات، وإلى الأفكار، وإلى قدرتنا على الإصلاح، وإلى ذلك الشعور البسيط بأن المستقبل ليس غرفة أخرى ننتظر فيها عودة الكهرباء.
ليبيا بلد لا تنقصه الثروة، ولا الشمس، ولا العقول. وربما لهذا تبدو عتمتها جارحة إلى هذا الحد. فالفقر قد يفسر بعض العجز، أما أن يكون الضوء قريبًا إلى هذا الحد، ثم يظل بعيدًا، فذلك سؤال آخر. ولعل أخطر ما في العتمة أنها، حين تطول، تجعل العين تتكيف معها. فننسى أن نسأل: مَنْ أطفأ النَّور؟!.



