رأي

بانقا..

علي باني

كان‭ ‬عام‭ ‬‮«‬الهزّة‮»‬‭ ‬مثله‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عام‭ ‬‮«‬الثلج‮»‬‭ ‬و«الهَجّة‮»‬‭ ‬و«الزينقو‮»‬‭ ‬وأعوام‭ ‬أخرى،‭ ‬حدثاً‭ ‬غير‭ ‬عادي‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬قبل‭ ‬الكثيرون‭ ‬به‭ ‬علامة‭ ‬يؤرخ‭ ‬بها،‭ ‬والسببُ‭ ‬أنه‭ ‬أحداث‭ ‬لم‭ ‬يألفها‭ ‬الليبيون‭ ‬إمّا‭ ‬لندرتها،‭ ‬أو‭ ‬لغرابتها‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭.‬

الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أيضاً‭ ‬أنها‭ ‬ثابتة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تكررت‭ ‬الظاهرة،‭ ‬فالمعنى‭ ‬دائماً‭ ‬يعود‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها‭.‬

الأحداث‭ ‬غير‭ ‬العادية‭ ‬لدينا‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تؤرخ‭ ‬لحدثٍ‭ ‬مؤلمٍ،‭ ‬فلم‭ ‬يؤرخ‭ ‬بحدثٍ‭ ‬سعيدٍ،‭ ‬ربّما‭ ‬لكوننا‭ ‬شعبٌ‭ ‬كقلب‭ ‬‮«‬فهد‭ ‬بلاّن‮»‬‭ ‬مكتوب‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬قلّة‭ ‬الراحة‮»‬‭!‬

لكوني‭ ‬محظوظ‭ ‬بمعايشة‭ ‬أحداث‭ ‬مؤلمة‭ ‬كثيرة،‭ ‬رأيتُ‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬عام‭ ‬‮«‬البانقا‮»‬‭ ‬التاريخ،‭ ‬فنحنُ‭ ‬لم‭ ‬نعطها‭ ‬حقها‭ ‬عندما‭ ‬ظهرت‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬منذُ‭ ‬عقود‭ ‬وهي‭ ‬تتأرجح‭ ‬جيئة‭ ‬وذهاباً‭ ‬بين‭ ‬مساكننا‭ ‬وآبار‭ ‬‮«‬الميّة‭ ‬الحلوة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬صنابيرنا‭ ‬تتدفق‭ ‬ماءً‭ ‬أُجاجاً‭.‬

‭)‬البانقا‭( ‬المسكينة‭ ‬

كانتْ‭ ‬تروي‭ ‬عطشنا‭ ‬في‭ ‬صبرٍ‭ ‬وصمتٍ،‭ ‬تشاركننا‭ ‬معاناة‭ ‬يومية،‭ ‬وكأنّما‭ ‬هي‭ ‬فردٌ‭ ‬من‭ ‬العائلة‭.‬

أعترف‭ ‬لكم‭ ‬أنني‭ ‬أيضاً‭ ‬وجدتُ‭ ‬الاسم‭ ‬غريباً‭ ‬عند‭ ‬سماعه‭ ‬أولّ‭ ‬مرة،‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬للكلمة‭ ‬مصدرًا‭ ‬موثوقًا،‭ ‬محليّ‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬أجنبي،‭ ‬تقديراً‭ ‬لها‭ ‬دخلت‭ ‬رحّب‭ ‬الليبيون‭ ‬بها‭ ‬أيما‭ ‬ترحيب،‭ ‬لتأخذ‭ ‬مكاناً‭ ‬مميزاً‭ ‬في‭ ‬لهجتنا‭ ‬المحليّة،‭ ‬حتى‭ ‬أني‭ ‬عجزتُ‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬لها‭ ‬مرادفاً‭ ‬مناسباً‭.‬

وككل‭ ‬الأوفياء،‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عنّا‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬الصعبة،‭ ‬وعاندت‭ ‬شاعرنا‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬المستحيلات‭ ‬ثلاثة‭: ‬الغول،‭ ‬والنقاء،‭ ‬والخلّ‭ ‬الوفيّ‭.‬

‭ ‬عادت‭ ‬بكلّ‭ ‬قوة،‭ ‬ومعها‭ ‬كل‭ ‬أحجام‭ ‬قبيلة‭ ‬‮«‬البانقا‮»‬‭ ‬صغاراً‭ ‬وكباراً،‭ ‬لتقف‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬لتروي‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬عطش‭ ‬الآلات‭: ‬سيارات‭ ‬ومولدات‭.!‬

فماذا‭ ‬ننتظر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لنعطي‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬حقٍ‭ ‬حقه،‭ ‬ونفتح‭ ‬صفحة‭ ‬في‭ ‬تاريخنا‭ ‬تؤرخ‭ ‬لعام‭ ‬‮«‬البانقا‮»‬‭..‬

أعلمُ‭ ‬أنّ‭ ‬الأمر‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬سهلاً،‭ ‬ككل‭ ‬قضايانا،‭ ‬فريقٌ‭ ‬سيصرّ‭ ‬على‭ ‬البدء‭ ‬بعام‭ ‬عطش‭ ‬البشر‭ ‬والشجر،‭ ‬وفريقٌ‭ ‬سيتمسك‭ ‬بعام‭ ‬عطش‭ ‬السيارات‭ ‬والمولدات‭.‬

فرصةٌ‭ ‬لا‭ ‬يجبُ‭ ‬إضاعتها،‭ ‬فليس‭ ‬لدينا‭ – ‬حسب‭ ‬علمي‭- ‬عطشٌ‭ ‬لسوائل‭ ‬أخرى‭ ‬تستوجب‭ ‬تدخل‭ ‬‮«‬البانقا‮»‬‭…‬

لكل‭ ‬مولود‭ ‬جديد‭: ‬عام‭ )‬بانقا‭( ‬سعيد‭…!‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى