
ختم الملتقى الأول لخبراء ليبيا فعالياته في طرابلس محمولاً على آمال عريضة، خاصة لدى المتابعين والمتخصصين الذين ينتظرون رؤى عملية تخرج البلاد من دوامة الأزمات الخانقة. وبحكم تخصصي في الهندسة البيئية والكتابة المتواصلة حول البيئة في ليبيا منذ عام 2011، كنت أتطلع بشغف لنيل توصية جديدة تضع نقطة بداية حقيقية في هذا الملف.
لكن الصدمة كانت في التوصيات المعلنة؛ إذ أوصى المشاركون في محور البيئة والخدمات العامة بـتشكيل لجنة وطنية لإعداد دراسات جدوى لمشاريع تحويل النفايات إلى طاقة. وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة: هل هذه التوصية جديدة حقاً؟ أم أنها مجرد إعادة تدوير لكلام قديم شبع دراسة ونقاشا دون تطبيق لتلك التوصيات؟
في عام 2002، وأثناء دراستي الماجستير في الهندسة البيئية، كانت تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة ووقود سائل (كالديزل) من البديهيات العلمية المعتمدة عالمياً. وفي ديسمبر 2013 أجريت لقاءات مع مسؤولي شركة الخدمات العامة عبر برنامجي التلفزيوني وكتبت تقريرا صحيفا عن مشاكل النفايات الصلبة وخاصة في العاصمة طرابلس واحتوى التقرير على أسئلة تتعلق بتدوير القمامة التي غابت عن ليبيا منذ سنوات فآخر مصنع لتدوير القمامة هو مصنع سيدي السائح الذي أنشئ سنة 2003، تم تدميره في أغسطس 2011.
ومن الأسئلة التي عرضتها على مسؤولي الشركة لماذا لا يتم تحويل النفايات الصلبة إلى كهرباء ووقود مثل الديزل والغاز الحيوي؟ فكانت إجابات السادة بالشركة بأن «ليبيا لا تحتاج لمصانع تنتج طاقة، فليبيا لديها طاقة شمسية نظيفة ونفط عالي الجودة، ولأن سعر الطاقة المنتجة منها سيكون أعلى بأضعاف المرات من الطاقة المنتجة عن طريق النفط والتي تكاد تكون شبه مجانية «.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان على تلك النقاشات، لم يتغير شيء على أرض الواقع. لا تزال القمامة تجمع لترمى في مكبات عشوائية تشوه شوارع مدننا وتلوث التربة والمياه والهواء والبحر. بينما تؤكد الحسابات العلمية أن تقنية الحرق المباشر لحجم النفايات الصلبة الذي تنتجه ليبيا يومياً يمكن أن يولد نحو 100 ميجاوات في اليوم كفيلة بتغطية احتياجات نحو 70 ألف منزل، مما يساهم في 5% من إجمالي الطلب اليومي للكهرباء في ليبيا، فضلاً عن تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وحل التلوث البيئي من جذوره.
إن الأزمة في ليبيا ليست في نقص الدراسات أو احتياج للجان جديدة لإعداد دراسات الجدوى، بل هي أزمة إرادة وتخطيط تنفيذي غائب، يترك بيئتنا وصحة مواطنينا رهنا للمكبات والتسويف.



