المجلس الوطني للمرأ ة.. مظلة أم وصاية؟ قرار حكومي يفتح باب الجـدل.. من يمنح المجلس شرعيتـه؟ ومن يحدد حدوده؟ من يمنح المجلس شرعيتـه؟ ومن يحدد حـدوده؟
شهد عبدالحفيظ

صدر القرار في الأول من سبتمبر الجاري، ونص على إنشاء المجلس كهيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، والذمة المالية المستقلة، تتبع مجلس الوزراء وتعمل تحت الإشراف المباشر لوزير الدولة لشؤون المرأة. ومنحه القرار اختصاصات واسعة تشمل اقتراح السياسات والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالمرأة، والمساهمة في اقتراح التشريعات، ودعم المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى اعتباره «المرجعية الوطنية العليا» والمظلة المؤسسية الجامعة للاتحادات والجمعيات والمؤسسات والبرامج الوطنية المعتمدة ذات العلاقة بشؤون المرأة.
وبعد أيام من صدور القرار، بدأت الحكومة إجراءات استكمال تأسيس المجلس، فيما استمر الجدل حول طبيعته وحدود اختصاصاته وعلاقته بالأجسام النسائية القائمة. وفي التاسع من سبتمبر، تابع رئيس الحكومة مع وزير الدولة لشؤون المرأة مستجدات تأسيس المجلس والخطوات اللازمة لبدء نشاطه.
لكن في الجهة المقابلة، برزت اعتراضات حادة، لم ترفض مبدأ وجود مؤسسة تُعنى بالمرأة، بقدر ما طالت السند القانوني، وآلية التشكيل، وحدود الاختصاص، واستقلال العمل المدني، والعلاقة مع الأجسام القائمة.
من «مرجعية وطنية» إلى سؤال المشروعية
المفارقة التي تكشفها قراءة القرار أن المجلس لم يُمنح دورًا تنسيقيًا محدودًا فقط، بل وُصف بأنه المرجعية الوطنية العليا والمظلة المؤسسية الجامعة للأجسام النسائية، مع منحه صلاحية تنظيم أوجه التنسيق والتكامل واعتماد الأطر العامة لخطط وبرامج تلك الأجسام.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل نحن أمام جهة تنسق بين المؤسسات، أم جهة تمتلك سلطة مؤسسية على العمل النسائي؟
انتصار القليب، رئيس مفوضية المجتمع المدني بالمجلس الرئاسي – فرع طرابلس، تؤكد أنها مع «كل خطوة حقيقية تخدم المرأة الليبية»، لكنها ترى أن إنشاء جسم جديد يجب أن يرتبط بسند قانوني واضح، واختصاصات محددة، وآلية شفافة للتشكيل، وعلاقة معلومة بالمؤسسات القائمة.
وتضع القليب جوهر اعتراضها في سؤال مباشر: ما الذي سيضيفه المجلس؟ وما المشكلة التي سيعالجها؟
وترى أن ليبيا لديها بالفعل مؤسسات ومنظمات واتحادات نسائية تعمل منذ سنوات، وبالتالي فإن إنشاء جسم جديد لا ينبغي أن يتحول إلى ازدواجية أدوار أو تداخل اختصاصات أو قيود على العمل المدني.
وتذهب أبعد من ذلك في اعتراضها على التوجيه الحكومي المصاحب للقرار، معتبرة أن التنسيق بين الدولة والمجتمع المدني شيء، وتحويل التنسيق إلى شرط مسبق لممارسة النشاط شيء آخر.
التنسيق أم الوصاية؟
الجدل لم يتوقف عند إنشاء المجلس، بل امتد إلى التوجيه الحكومي الذي دعا الجهات التابعة لمجلس الوزراء إلى الالتزام بالقرار وتنظيم ملف المرأة والتنسيق بين الكيانات والمبادرات النسائية. وتضمن التوجيه منع أي جسم أو كيان نسائي من عقد اجتماعات أو فعاليات أو إطلاق مبادرات وبرامج تخص المرأة أو تمثيلها أمام الجهات الرسمية والدولية إلا وفق الأطر والإجراءات المعتمدة وبالتنسيق مع مكتب وزير الدولة لشؤون المرأة.
وهنا برزت مخاوف من أن يتحول التنظيم إلى نوع من الوصاية على النشاط المدني.
الباحثة والناشطة الحقوقية زاهية المنفي ترى أن الإشكالية الأساسية تكمن في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، معتبرة أن إخضاع الأنشطة النسائية لإجراءات مسبقة يمكن أن يؤثر في استقلالية العمل الأهلي.
وتؤكد أن المجتمع المدني لا يقتصر على تنظيم الأنشطة والخدمات، بل يشكل مساحة للتعبير والمناصرة والرصد والتوعية والدفاع عن الحقوق، وأن التعاون مع الدولة مطلوب، لكنه يجب أن يقوم على الشراكة لا التبعية.
وتختصر المتفي المسألة في معادلة واضحة: تنظيم العمل المدني مشروع، لكن تحويل التنظيم إلى وصاية أمر مختلف.
هل يعالج المجلس مشكلة قائمة أم يصنع مشكلة جديدة؟
الباحثة في الحقوق المدنية أحلام بن طابون تضع المسألة في إطار قانوني أكثر تحديدًا. فهي لا تعترض على مبدأ إنشاء جهة تعنى بشؤون المرأة، لكنها تتساءل عن السند القانوني وحدود الاختصاص ومدى توافق المجلس مع الهياكل القائمة.
وتشير إلى أن وزارة الشؤون الاجتماعية لديها أصلًا اختصاصات تتصل بالمرأة والأسرة والرعاية الاجتماعية، ومن ثم فإن السؤال يصبح: ما الاختصاص الجديد الذي سيؤديه المجلس ولا تستطيع المؤسسات القائمة أداءه؟
كما تطرح إشكالية العلاقة مع الجهات والأجسام التي تستند إلى تشريعات أو أطر قانونية قائمة، معتبرة أن القرار الإداري لا ينبغي أن ينتقص من اختصاصات مقررة بتشريع أعلى مرتبة. وتكشف هذه النقطة جوهر الأزمة: القضية ليست في اسم المؤسسة، بل في خريطة الصلاحيات.
فإذا كان المجلس سيضع السياسات الوطنية وينسق الجهود، فما حدود علاقته بالوزارة؟ وإذا كان مظلة للأجسام النسائية، فهل تعني المظلة التنسيق الطوعي أم الإشراف أم اعتماد البرامج؟ كل إجابة من هذه الإجابات تنتج علاقة قانونية مختلفة.
«لسنا ضد المجلس .. نحن ضد فرضه»
من جهتها، ترى الناشطة المدنية حنان محمد شلوف أن المشكلة لا تكمن في وجود جهة تعنى بالمرأة، وإنما في الطريقة التي أُنشئت بها وفي طبيعة الاختصاصات التي منحت لها.
وتعتقد أن القرار لا يقدم إضافة حقيقية إذا كان سيؤدي إلى تقييد حرية المرأة في التعبير، أو اختزال تعدد الرؤى النسائية في جسم واحد.
وتحذر من أن يتحول المجلس إلى جسم جديد داخل مشهد يعاني أصلًا من تعدد المؤسسات وتداخل الأدوار، معتبرة أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة هذا التداخل لا توسيعه.
أما القليب فتؤكد أن موقفها ليس رفضًا لمؤسسة وطنية للمرأة، وإنما رفض لفرضها كأمر واقع دون ضمانات قانونية ومؤسسية واضحة.
بين النص والواقع .. أين تكمن الإضافة؟
المفارقة أن الحكومة تقدم المجلس باعتباره أداة لتوحيد الجهود الوطنية وتعزيز حضور المرأة، بينما يرى المعترضون أن التوحيد لا يتحقق بمجرد إنشاء مؤسسة جديدة.
فالقرار يمنح المجلس صلاحيات تتصل بالسياسات والتشريعات والتنسيق والتمكين والبرامج والدراسات، ويجعله مرجعية عليا للجهات النسائية. وفي المقابل، يطالب المعترضون بتحديد دقيق لما يعنيه ذلك عمليًا, هل سيمنع التداخل أم يضيف إليه؟ هل سيكون منصة تجمع الأصوات أم جهة تحدد أي الأصوات تمثل المرأة؟ هل سيكون مستقلًا في قراراته، أم أن تبعيته لمجلس الوزراء وإشراف وزير الدولة لشؤون المرأة سيجعلان استقلاله محل تساؤل؟ وهل ستُختار قيادته وفق معايير معلنة تضمن الكفاءة والتمثيل الحقيقي، أم وفق آلية حكومية مغلقة؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفًا سياسيًا، لأن الإجابة عنها ستحدد طبيعة المجلس قبل أن تحدد صورته.
القضية ليست «مجلسًا» فقط
في العمق، يكشف الجدل حول المجلس الوطني للمرأة مشكلة أوسع في الإدارة العامة الليبية: تعدد الأجسام دون وضوح دائم في حدود الاختصاص والمسؤولية.
والإطار القانوني للجمعيات الأهلية في ليبيا قائم منذ قانون رقم 19 لسنة 2001 بشأن إعادة تنظيم الجمعيات الأهلية، ما يجعل مسألة العلاقة بين الدولة والمنظمات المدنية مسألة قانونية ومؤسسية لا مجرد خلاف في وجهات النظر. كما أن التجربة التشريعية الليبية عرفت أطرًا تنظيمية سابقة للعمل النسائي، بما يؤكد أن سؤال تنظيم العمل النسائي ليس جديدًا، وأن أي تجربة جديدة تحتاج إلى قراءة ما سبقها، لا الاكتفاء بإضافة هيكل جديد
بين التداخل والاحتكار.. قراءة قانونية
يرى المحامي أحمد زيدان أن قرار حكومة الوحدة الوطنية رقم )520( لسنة 2026 بشأن إنشاء «المجلس الوطني للمرأة» يعكس تخبطًا في إصدار القرارات، وقد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات مع هيئات قائمة، فضلًا عن احتمال احتكار تمثيل المرأة وحصر أنشطتها في كيان واحد. كما يثير القرار تساؤلات حول نطاق تطبيقه، إذ يقتصر أصلًا على الجهات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، دون وضوح بشأن المناطق الخاضعة للحكومة المعيّنة من مجلس النواب أو الهيئات المستقلة.
ويحذر زيدان من أن القرار قد يقيد عمل المجتمع المدني، لعدم مراعاته الكافية لضمانات حرية الرأي وتكوين الجمعيات، معتبرًا أن إنشاء كيان جديد وسط الانقسام المؤسسي قد يعيد إنتاج المشكلات بدل حلها، بينما يتطلب ملف المرأة توحيد الجهود وتنسيق الأدوار.
إلغاء الهياكل الموازي..شرط للنجاح ترى أ. نعيمة سلامة، رئيس فرع الشؤون الاجتماعية بالزاوية الغرب، أن إنشاء المجلس الوطني للمرأة يمكن أن يمثل خطوة مؤسسية مهمة إذا اقترن بتوحيد المرجعية وإنهاء حالة التشتت القائمة. وتؤكد أن نجاح المجلس يتطلب إعادة النظر في تعدد المكاتب واللجان والأجسام الموازية، ودمج الاختصاصات والموارد ضمن إطار وطني واضح، بما يحد من ازدواجية الإنفاق وتنازع الصلاحيات، ويوجه الموارد نحو البرامج والخدمات المخصصة للمرأة. وترى أن وجود مرجعية وطنية واحدة من شأنه تعزيز الحوكمة والشفافية وتسهيل وصول المستفيدات إلى الخدمات، شريطة أن يتحول المجلس إلى أداة للتخطيط والتنسيق وصناعة السياسات، لا مجرد هيكل إداري إضافي.
«تخبط إداري» أم ضرورة مؤسسية؟
في المقابل، ترى د. خلود القماطي، الناشطة السياسية والمترشحة للبرلمان الليبي والمستشارة في قضايا المرأة، أن قرار إنشاء المجلس يثير إشكالات قانونية ومؤسسية، في ظل وجود وزارة لشؤون المرأة ومكاتب معنية بتمكين المرأة داخل قطاعات الدولة، فضلًا عن تعدد الأجسام الموازية في ظل الانقسام المؤسسي والجغرافي. وتنتقد القماطي ما تعتبره توسعًا في صلاحيات المجلس وعلاقته بالأجسام المدنية والسياسية، معتبرة أن بعض التعميمات المصاحبة للقرار قد تفضي إلى تقييد استقلالية العمل المدني واحتكار تمثيل المرأة. وتؤكد أن السلطة التنفيذية، من وجهة نظرها، لا ينبغي أن تتحول إلى جهة إشراف على الكيانات المدنية والسياسية المستقلة، مشيرة إلى أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة القضايا الملحة التي تواجه النساء، وفي مقدمتها أوضاع النازحات والمهجرات والسجينات. وتكشف القماطي عن توجه لتقديم مذكرة موقف قانونية للطعن قضائيًا في القرار والتعميمات المرتبطة به، دفاعًا عما تعتبره استقلالية العمل النسائي المدني والسياسي.
المرأة تحتاج مؤسسة .. لا وصاية
بين قرار حكومي يمضي نحو تأسيس المجلس، وأصوات نسائية وحقوقية تطالب بإعادة النظر في أساسه وحدود صلاحياته، تبدو القضية أبعد من سؤال: هل نحتاج مجلسًا وطنيًا للمرأة؟ السؤال الأهم هو: أي مجلس نريد؟
فالمرأة الليبية لا تحتاج بالضرورة إلى مزيد من اللافتات والهياكل، بقدر حاجتها إلى مؤسسة تستطيع أن تنتقل بقضاياها من الخطاب إلى السياسات، ومن المطالب إلى التشريعات، ومن التمثيل الشكلي إلى المشاركة الحقيقية في صناعة القرار.
وإذا كان المجلس الجديد قادرًا على جمع الجهود، وتنسيق الأدوار، ودعم المؤسسات القائمة، وفتح المجال أمام مختلف الأصوات النسائية، فقد يتحول إلى استحقاق مؤسسي حقيقي.
أما إذا انتهى إلى جسم جديد ينافس أجسامًا قائمة، أو يتداخل مع اختصاصات مؤسسات أخرى، أو يضع العمل المدني تحت مظلة الوصاية، فإن السؤال سيبقى قائمًا: هل أُنشئ المجلس لحل أزمة تعدد الأجسام، أم أصبح هو نفسه جزءًا من الأزمة؟.
في النهاية، نجاح المجلس لن تقيسه قرارات إنشائه ولا مقراته ولا عدد لجانه، بل ما سيتركه في حياة المرأة الليبية من أثر ملموس. فالمرأة لا تحتاج من يتحدث باسمها فقط، وإنما تحتاج مؤسسة تسمع صوتها، وتحمي استقلالها، وتحوّل حقوقها إلى واقع.



