فنون

على خشبة الوعي لماذا نحتاج لاستثمار حقيقي في الفن والفنانين؟

طارق الجحاوي

لا‭ ‬تُقاس‭ ‬حضارات‭ ‬الأمم‭ ‬ومدى‭ ‬رقيّها‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬تحتية،‭ ‬أو‭ ‬ثروات‭ ‬مادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تُقاس‭ ‬بالصورة‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬تعكسها‭ ‬إبداعات‭ ‬أبنائها،‭ ‬وبما‭ ‬يتركه‭ ‬فنانوها‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬إنساني‭ ‬وجداني‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الزمن‭.‬

إن‭ ‬الفنان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬صانع‭ ‬للترفيه،‭ ‬أو‭ ‬التسلية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الضمير‭ ‬الحيّ‭ ‬للمجتمع،‭ ‬والراصد‭ ‬لأفراحه‭ ‬وآلامه،‭ ‬والحافظ‭ ‬لرحلته‭ ‬وتاريخه‭.‬

وفي‭ ‬وقت‭ ‬يسعى‭ ‬فيه‭ ‬وطننا‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬هوية‭ ‬معاصرة‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬إرث‭ ‬تاريخي‭ ‬وثقافي‭ ‬غني،‭ ‬يتجلى‭ ‬دور‭ ‬الفن‭ ‬كقوة‭ ‬ناعمة‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها؛‭ ‬فهو‭ ‬الجسر‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬أطياف‭ ‬المجتمع،‭ ‬والأداة‭ ‬الأقوى‭ ‬لمواجهة‭ ‬الفكر‭ ‬المتطرف،‭ ‬والوسيلة‭ ‬الفضلى‭ ‬لنقل‭ ‬صوت‭ ‬الوطن‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬السامية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُؤدّى‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭ ‬إن‭ ‬ظل‭ ‬الفنان‭ ‬يعاني‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أبسط‭ ‬حقوقه‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬والرعاية‭.‬الاهتمام‭ ‬بالفنانين‭ ‬ورعايتهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬ليس‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الترف‭ ‬أو‭ ‬المنّ،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واجبٌ‭ ‬وطني‭ ‬واستثمار‭ ‬سيادي‭ ‬مباشر‭. ‬رعاية‭ ‬الفنان‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬مظلة‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وصحية‭ ‬كريمة‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬الاستقرار‭ ‬والكرامة،‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬إنشاء‭ ‬المؤسسات‭ ‬الفنية‭ ‬والدعم‭ ‬المالي‭ ‬للأعمال‭ ‬الإبداعية‭ ‬المتميزة،‭ ‬وتوفير‭ ‬المساحات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬للمواهب‭ ‬الشابة‭ ‬بالنمو‭ ‬والازدهار‭. ‬حين‭ ‬ترعى‭ ‬الدولة‭ ‬فنانينها،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تدعم‭ ‬أفراداً‭ ‬بذاتهم،‭ ‬بل‭ ‬تحمي‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتستثمر‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتصنع‭ ‬جيلًا‭ ‬واعيًا‭ ‬يتذوق‭ ‬الجمال‭ ‬ويدرك‭ ‬قيمة‭ ‬الحياة‭.‬

إننا‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الفنية‭ ‬لصحيفة‭ )‬فبراير‭( ‬نضم‭ ‬صوتنا‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬الأصوات‭ ‬المبدعة،‭ ‬داعين‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬المبدع‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الأولويات،‭ ‬فالمستقبل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬فيه‭ ‬للفن‭ ‬هو‭ ‬مستقبل‭ ‬بلا‭ ‬روح‭.‬طترق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى