
تؤكد الفنانة والمترجمة القديرة «سعاد خليل» أن رحلتها التي امتدتْ لأكثر من خمسين عامًا لم تكن مجرد تجربة تمثيلية مرابضة على الخشبة، بل تحولتْ إلى مشروع حياة متكامل يجمع بين الرؤية الإخراجية، والبحث النظري، والترجمة عن أربع لغات عالمية. وفي هذا الحوار الشامل لـ (فبراير)، تفتح لنا خزائن ذاكرتها الفنية والتحكيمية، وتكشف عن فلسفتها في نقل المعرفة المسرحية والتواصل الثقافي مع الآخر.
المسرح علمني التعبير والحضور
والإذاعة منحتني الحساسية تجاه الصوت والإيقاع
البدايات والتشكّل الفني
أ.سعاد، بدأتِ شغفكِ بالمسرح مبكرًا على مسرح إحدى المدارس الإيطالية بمدينة بنغازي وعبر ركن الأطفال بالإذاعة. كيف أسهمتْ تلك البدايات المبكرة المتنوعة في تشكيل وعيك الفني وصقل مهاراتك اللغوية والأداء؟
البداياتُ الأولى هي التي ترسم غالبًا الملامح الأساسية لشخصية الفنان. نعم بدأتْ علاقتي بالفن منذ الطفولة، من خلال المدارس الإيطالية في بنغازي، ثم من خلال «ركن الأطفال» بالإذاعة. وكانتْ تلك المرحلة بمثابة اكتشاف مبكر لعالم المسرح، والصوت، والحضور أمام الجمهور.
المسرح علّمني التعبير، والحضور، والتفاعل المباشر، بينما منحتني الإذاعة حساسية خاصة تجاه الكلمة والصوت والإيقاع. كما أن وجودي في بيئة تتصل باللغات الأجنبية، وخاصة الإيطالية، ساعدني على الاقتراب مبكرًا من اللغة والثقافة، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرتي في الترجمة والكتابة. ومع مرور السنوات تحوَّل الشغف إلى مشروع حياة.
لم يعد المسرح بالنسبة إليّ مجرد هواية، بل أصبح جزءًا من تكويني الإنساني والثقافي. ومن هنا جاءت مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، تنقلت خلالها بين التمثيل، والبحث، والكتابة والترجمة، والندوات، والمهرجانات والورش الفنية.
بين الاسم الحقيقي «سعاد فرج شتوان» والاسم الفني «سعاد خليل»، كيف ترين الرحلة والإرث الإبداعي الذي بنيتِه تحت هذا الاسم في ذاكرة المسرح الليبي والعربي؟
الاسم الفني مع مرور الوقت يصبح جزءًا من ذاكرة الفنان، لأنه يرتبط بالخشبة والجمهور والأعمال والمهرجانات.
«سعاد خليل» هو الاسم الذي عرفتني به الساحة الفنية والثقافية، والذي ارتبط بمراحل طويلة من تجربتي. لكنّني أرى أن قيمة الاسم في النهاية لا تأتي من الاسم ذاته، وإنما مما يتركه صاحبه من أعمال وتجارب. وأنا سعيدة بأن هذا الاسم ارتبط بالمسرح الليبي وبالمشاركات العربية والدولية، سواء كممثلة، أو باحثة أو مترجمة، أو كاتبة. وعندما أنظر إلى الرحلة اليوم، أجد أنني لم أتعامل مع الفن باعتباره محطة مؤقتة، وإنما حاولتُ أن أجعله مشروع حياة متكاملاً، وأن أظل حاضرة في المشهد الثقافي بما أستطيع من جهد وعطاء.
تجربة التمثيل والخشبة والجوائز
قدمتِ أدوارًا مسرحية حُفِرتْ في ذاكرة المهرجانات الوطنية والعربية، ونلتِ عنها جوائز رفيعة مثل جائزة أفضل ممثلة عن «حنين الليل»، وجائزة السنبلة الذهبية عن «صبايا أولاد هلال». ما الذي تمثله لكِ هذه الأعمال تحديدًا، وكيف ترين تطور تجربة الممثلة المسرحية الليبية عبر عقود؟.
أحبُ أن أوضح أن تجربتي المسرحية لا تختصر في «حنين الليل»، و«صبايا أولاد هلال»، رغم مكانة هذين العملين في مسيرتي.
فمنذ عام 1995 تحديدًا، أصبح كل عام مسرحي بالنسبة إليّ يحمل تجربة جديدة، وكان من فضل الله أن كل عام تقريبًا كنتُ أقدم فيه عملاً مسرحيًا أحصل معه على جائزة، سواء على المستوى المحلي، أو العربي.
هناك أعمالٌ كثيرة أعتز بها، منها «شاين أهدوب الليل»، و«اللعب على حجم الصدفة»، و«أفكر فيك الآن»، و«مكان مع البهائم»، وغيرها من الأعمال التي شكلتْ محطات مهمة في مسيرتي. وكل عمل منها كان تجربة مختلفة، وكل شخصية تركت في داخلي شيئًا خاصًا.
أما الجائزة بالنسبة إليّ ليست مجرد شهادة أو لقب؛ هي تقدير لجهد طويل يبدأ من قراءة النص، ويمر بالبروفات والبحث في الشخصية، ثم الوقوف أمام الجمهور. لكنها في الوقت نفسه ليست نهاية الطريق. فكل جائزة تضع الفنان أمام مسؤولية أكبر، لأن العمل التالي يجب أن يكون على مستوى ما تحقَّق. أما عن تجربة الممثلة الليبية، فقد عاصرتُ أجيالاً عديدة، وشاهدتُ تطوراً واضحاً في أدوات الأداء والرؤية الإخراجية. والممثلة الليبية أثبتت أنها قادرة على الحضور والمنافسة عربيًا، لكنني أرى أننا بحاجة دائماً إلى مزيد من التدريب والتجريب، وإلى إنتاج مسرحي مستمر يتيح للفنانة أن تطور أدواتها وتقدم إمكاناتها وأن تهتم بثقافتها العامة والمسرحية خاصة
المشاركة في المهرجانات المغاربية والعربية، من قرطاج إلى صور والجزائر والمغرب، أتاحت لكِ الاحتكاك بتجارب مسرحية متنوعة. ما الذي يحتاجه العرض المسرحي الليبي ليحافظ على حضوره المنافس وقدرته على التواصل مع الجمهور العربي والدولي؟
المشاركة في المهرجانات تمنح الفنان فرصة أن يرى تجربته من الخارج، وأن يكتشف نقاط القوة والضعف من خلال الاحتكاك بتجارب أخرى. شاركتُ في مهرجانات ومدن كثيرة في تونس والجزائر والمغرب ولبنان وسوريا ومصر وألمانيا وغيرها، وشاركتُ في بعضها كممثلة، وفي بعضها كعضو لجنة تحكيم، وقدمتُ ورشاً وأوراقاً وندوات مسرحية. وأعتقد أن العرض الليبي يمتلك مادة إنسانية وثقافية غنية جداً. نحن لا نحتاج إلى التخلي عن خصوصيتنا حتى نصل إلى الآخر، بل نحتاج إلى تقديم هذه الخصوصية بلغة فنية قادرة على التواصل.
نحتاج إلى النص الجيد، والمخرج صاحب الرؤية، والممثل المدرب، والإنتاج القادر على حماية العرض، وكذلك إلى الترجمة والتوثيق والتواصل مع المهرجانات الدولية. فالعالم اليوم لا يعرف التجربة التي لا تصل إليه.
فعل الترجمة ومدّ الجسور الثقافية
تميزتِ بإتقان اللغات الأجنبية الإيطالية والانجليزية وتوظيفها في خدمة الثقافة. كيف ترين دور الترجمة المسرحية في سد الفجوة بين النظرية والتطبيق على الخشبة العربية؟.
الحمد لله اضف عليها الفرنسية، والاسبانية فأنا اترجم عن أربع لغات لأن الترجمة بالنسبة إليّ ليستْ نقل كلمات من لغة إلى أخرى، وإنما هي عبور من ثقافة إلى ثقافة. وفي المسرح تصبح الترجمة أكثر حساسية، لأن النص المسرحي قابل لأن يتحوَّل إلى صوت وحركة وصورة وأداء. ومن هنا تأتي أهمية الترجمة المسرحية في تقريب المدارس والمناهج والتجارب العالمية من المسرحي العربي. فهي تتيح للمخرج والممثل والباحث أن يطلع على أفكار وتجارب لم تكن متاحة له بلغته. وقد حاولتُ من خلال عملي في الترجمة والبحث أن أقرّب هذه المعرفة إلى القارئ والممارس العربي، سواء من خلال الكتب المسرحية والدراسات، أو من خلال ترجمات الأعمال الأدبية.
أصدرتِ كُتبًا مثل : )الإخراج: مدارس ومناهج» و«فضاءات مسرحية: مفاهيم واتجاهات(. ما المعايير التي تختارين على أساسها النصوص والمؤلفات النقدية لنقلها إلى القارئ العربي؟.
المعيار الأول بالنسبة إليّ هو القيمة والإضافة. أسأل دائمًا: ماذا سيضيف هذا الكتاب إلى القارئ العربي؟، وهل يقدم معرفة يحتاج إليها الباحث أو الفنان أو القارئ؟.
لا أرى الترجمة مجرد نقل كتاب لأنه مكتوب بلغة أجنبية. الترجمة مسؤولية، ولذلك يجب أن يكون للعمل ما يبرر نقله إلى العربية. وقد تنوعت ترجماتي بين المسرح والأدب والفلسفة والشعر والدراسات الثقافية، وبلغ مجموع الكتب المنشورة في مسيرتي 21 كتابًا بين مؤلفات وترجمات ودراسات.
عملتِ على تنظيم ندوات للشعر العربي ومعارض للفن التشكيلي الليبي في إيطاليا، مثل مدينة فيرونا، وتأسيس الإذاعة الأوروبية ببنغازي. كيف تخدم هذه المبادرات التعريف بالإبداع الليبي في الخارج؟.
أؤمن أن الثقافة الليبية يجب ألا تبقى داخل حدودها الجغرافية. لدينا مبدعون في المسرح والشعر والأدب والفن التشكيلي، وهم بحاجة إلى أن يصل صوتهم إلى الخارج. عندما نقدم الشعر الليبي بلغة أجنبية، أو ننظم ندوة، أو معرضًا للفن الليبي في أوروبا، فإننا لا نقدم عملاً فنياً فقط، وإنما نقدم جزءًا من صورة ليبيا وثقافتها.
والترجمة هنا تلعب دوراً أساسياً، لأنها تجعل الآخر قادرًا على قراءة إبداعنا بلغته، وفهم خصوصيتنا من خلال النص نفسه.
التقييم النقدي والمشاركات الدولية
شاركتِ كرئيس وعضو لجنة تحكيم في مهرجانات دولية بارزة. من موقعك كحَكَم ومترجمة، ما أبرز التحولات التي تشهدها الرؤى الإخراجية والأداء الفني والجمالي في المسرح المعاصر؟
المسرح المعاصر أصبح أكثر انفتاحاً على الفنون الأخرى وعلى التكنولوجيا والصورة والجسد، ولم يعد العرض المسرحي محصوراً في القالب التقليدي. ومن خلال مشاركاتي في المهرجانات، لاحظتُ أن المخرج أصبح أكثر حرية في إعادة قراءة النص، وأن الممثل لم يعد مجرد مؤدٍ للكلمات، وإنما أصبح عنصراً أساسياً في بناء الرؤية المسرحية.
كما أن الجمهور نفسه تغير، وأصبح أكثر اطلاعًا على التجارب العالمية. ولذلك يحتاج المسرح إلى لغة جديدة باستمرار، ولكن مع الحفاظ على جوهره الإنساني وعلى هويته.
حظيتِ بتكريمات محلية ودولية متعدَّدة. ماذا تعني لكِ هذه الإشادات، وكيف تجدين التوازن بين التكريم والمسؤولية الإبداعية؟
التكريم لحظةٌ جميلة في حياة الفنان، لأنه يقول له إن ما قدمه لم يذهب دون أثر. لكنني أراه في الوقت نفسه مسؤولية.
هذا العام تحديداً كان مهماً بالنسبة إليّ، فقد حصلتُ على ست جوائز دولية عن مقالات ودراسات وأعمال أدبية، وهو ما أعتز به لأنه يؤكد أن مسيرتي لم تتوقف عند المسرح، بل امتدت إلى الكتابة والبحث والترجمة.
كما حظيت بتكريمات مهمة في إيطاليا، منها تكريم من مجلس الشيوخ الإيطالي، ومن جامعة ماركوني، ومن مجلس النواب الإيطالي، إلى جانب حصولي على جائزة السلام من مجلس المرأة في روما.هذه الجوائز والتكريمات تعني لي الكثير، لكنها لا تجعلني أشعر بأنني وصلتُ إلى النهاية؛ بل تجعلني أشعر بأن عليّ أن أواصل العمل بمسؤولية أكبر. وأنا أؤمن أن التكريم الحقيقي للفنان ليس بعدد الجوائز التي حصل عليها، وإنما ما يتركه من أثر في النَّاس وفي الثقافة.
الواقع والآفاق المستقبلية
بصفتكِ عضواً مؤسساً في المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح بباريس ومترجمة متابعة للحراك الثقافي، ما المشروعات الأدبية أو المترجمات المسرحية التي تعكفين عليها حالياً؟
ما زالتْ الترجمة والكتابة حاضرتين بقوة في مشروعي الثقافي.
أعمل على عدد من المشاريع الأدبية والثقافية، إلى جانب مواصلة الكتابة والمشاركة في الندوات والفعاليات الثقافية العربية والدولية.
ومن بين الأعمال التي أعمل عليها حالياً ترجمة كتاب علمي ثقافي للدكتور العراقي إياد السالمي إلى اللغة الإيطالية، وكذلك ترجمة كتاب عن الوحي من الفرنسية إلى العربية للكاتب الإيطالي جان بروشيني.
وهناك أعمال أخرى جاهزة، أو قيد الإعداد. كما أني قمتُ بترجمة مسرحية للكاتب اليمني حميد عقبي من العربية إلى الإيطالية.
وأواصل أيضاً الكتابة والنشر، لأنني أرى أن الكاتب والمترجم والفنان يجب أن يظل في حالة بحث دائم، وألا يسمح لما أنجزه بالأمس أن يمنعه من التفكير فيما يمكن أن يقدمه غداً.
كلمة ختامية توجهينها عبر صحيفة «فبراير» للجيل الجديد من المسرحيين والكاتبات والمهتمين بالترجمة والنقد المسرحي في ليبيا؟.
أقول للجيل الجديد: لا تستعجلوا الوصول. الفن يحتاج إلى الصبر والمعرفة والتجربة.
اقرؤوا كثيرًا، وشاهدوا المسرح، وتعلموا اللغات، وانفتحوا على تجارب العالم، ولكن لا تفقدوا هويتكم.
نحن نستطيع أن نصل إلى العالمية من خلال خصوصيتنا، وليس من خلال تقليد الآخرين.
لقد أمضيتُ أكثر من نصف قرن في المسرح والثقافة، وما زلت أؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد في كل مرحلة.
الجائزة لا تكفي، والتكريم لا يكفي، والاسم لا يكفي؛ الذي يبقى هو العمل.
أتمنى أن يأتي جيلٌ جديد يحمل المسرح الليبي إلى مساحات أوسع، وأن يرى العالم في إبداعنا صورة ليبيا الحقيقية: ليبيا التي تملك تاريخاً وثقافة وفناً وإنساناً يستحق أن يُسمع صوته.
الترجمة المسرحية مهمة في تقريب المدارس والتجارب العالمية من المسرحي العربي



