
ليس الحجرُ صامتاً تماماً كما يظن العابثون؛ فهو يحملُ على جنباته أنفاس الحضارات الغابرة، وذاكرة الأرض التي وثقت تفاصيل العيش والوجود لآلاف السنين. غير أن هذا الصمت التاريخي المهيب بات يتعرَّض اليوم لنزيفٍ صامت وشرس، تتمثل فصوله في ظاهرة «الخربشة» والعبث العشوائي التي تطال المواقع الأثرية والمعالم الحضارية والبيئية في فزان وعموم ربوع الوطن.
إن كتابة اسم، أو توثيق عابر على معلم يعود لآلاف السنين لا يعكس سوى قطيعة مع الهوية وانعداماً للشعور بالانتماء، وكأن الجدار الصخري تحوَّل إلى دفتر يوميات لرغبات عابرة على حساب تراث لا تملكه الأجيالُ الحاضرة وحدها، بل هو أمانة في ذمة الإنسانية جمعاء. وأمام هذا التهديد المتصاعد الذي لا يقف عند حدود تشويه الأثر، بل يمتد ليطال التنوع البيئي والحيواني، علت أصوات النخب الثقافية والفنية والأمنية والمحلية في نداء استغاثة عاجل وصرخة توعوية جماعية ترفع شعار: )كفى.. الحجر ليس دفتراً لجهلك(.
وفي هذا التحقيق الموسع، نستعرض أبرز رؤى ومداخلات المشاركين في النقاشات المجتمعية لوضع أطر حقيقية للإنقاذ والحماية.
الخربشة على الآثار: هل يعوض جهل العابرين خراب التاريخ؟
أولاً: رصد الظاهرة وتشخيص الوجع الميداني
دق ناقوس الخطر: أشار الفنان التشكيلي والإعلامي عبد العزيز الحسناوي «من غات» إلى تزايد عمليات الخربشة التي يرتكبها زوار وافدون بحجة توثيق رحلاتهم، مقترحاً الاعتماد على وسائل الإعلام ومنصات التواصل لترسيخ الوعي بأن الكتابة على المعالم جريمة تشويه وليست توثيقاً.
توثيق التعديات في جبال زنكيكرا: وثق المرشد السياحي والقائد الكشفي ونيس امجاهد عبثاً سابقاً ومماثلاً طال جبال زنكيكرا، مشدداً على أن الآثار هي حضارة وهوية وليست مجرد زينة عابرة.
حماية البيئة والتنوع الحيواني: حذّر علي غيث «مدير مكتب المعلومات والتوثيق السياحي بالغريفة – أوباري» من خطورة تمدد العبث ليطال البيئة، مطالباً بوقف الصيد الجائر للحيوانات البرية النادرة كالغازل والودان، والقطع الجائر لأشجار الطلح الذي ينذر بكارثة تصحر.
أرقام ومؤشرات رسمية: أكد مراقب آثار فزان، محمد اكريدية، أن عدد اللوحات الصخرية التي تعرضت للتشويه في جبال أكاكوس بلغ 6 لوحات منذ عام 2008«بما فيها موقع «أويس». وأوضح أن المراقبة حاولت تأمين المواقع بتعيين 18 فرداً من أبناء المجتمع المحلي، إلا أن ازدواجية الوظائف أدت إلى تراجع عدد الحراس الفعليين إلى 7 أفراد فقط. وأشار إلى أن اللوحات الإرشادية نُفذت منذ عام 2007 في )أكاكوس، متخندوش، إمساك، زلة، وغات(، مبدياً أسفه لتضرر سياج جريد النخيل في أكاكوس بفعل الرعي الجائر.
ثانياً: دور الفن والإعلام وصناع المحتوى في المواجهة
التوعية الاستباقية والجداريات: راء الفنان التشكيلي أحمد عبدالحفيظ «من الفجيج» ضرورة إرفاق المجموعات السياحية بمرشدين للتوعية الاستباقية، ودعا إلى رسم جداريات ضخمة على واجهات المباني الرئيسية لعكس الكنوز الأثرية.
اللوحات الضوئية والمجسمات: اقترح نقيب الفنانين الشاعر الغنائي أبوصلاح الطالب «من الغريفة» تنفيذ لوحات ليزرية مضيئة على الطرق العامة تُبرز المعالم التاريخية لكل بلدية، مع إطلاق ملحمة شعرية وغنائية لإيصال صوت التحذير ومطالبة بترميم المباني التاريخية المهدمة.
النشاط التوعوي المبكر: ركز مقدم البرامج نبيل «من جرمة» على ضرورة غرس ثقافة الحماية في نفوس الأطفال في سن مبكرة، رافعاً رسالة الحملة: «احتفظ بصورة ذكرياتك في هاتفك وليس على المعلم الأثري».
أهمية الدور الإرشادي: شدد اسعود حمتون على تفعيل دور الدليل السياحي ليكون مسؤولاً مباشراً عن توعية الزوار والوفود السياحية أثناء الرحلات. وأكدت أزة الشريف على أهمية أن تكون انطلاقة الحملة مستندة إلى غطاء قانوني رسمي.
ثالثاً: الرؤية الأكاديمية والعلمية د. الأمين الهوني
يؤكد د. الأمين الهوني، الأكاديمي المتخصص في آثار ما قبل التاريخ وابن مدينة هون، أن الخطر لا يقف عند موقع بعينه، مشيراً إلى زيارات ميدانية علمية في عام 2019 لستة مواقع شملت «أوسن» و«تان ألن»، حيث رُصدت تشويهات بصرية قديمة. وأوضح التقرير الفني المرفوع لمصلحة الآثار حينها أن:
دور الطبيعة: الطلاء والتشويه يبدأ بالزوال تدريجياً بفعل الزمن والظروف المناخية، رغم أن مواقع مثل «تان ألن» تحتاج وقتاً طويلاً لكثافة الطلاء.
التحذير من المعالجات الكيميائية: شدد على أن أي تدخل كيميائي عشوائي قد يضر أكثر مما يفيد، معتبراً أن المعالجة الخاطئة أخطر من ترك الرسومات لتتولى الطبيعة إصلاحها.
امتداد الظاهرة للمدن الكلاسيكية: لا يقتصر العبث على الكهوف، بل امتد لمدينة قورينا «شحات»، وصبراتة، والمواقع الداخلية مثل قرزة.
مفارقة مؤلمة: أشار إلى أن جامعة كامبردج تستخدم رسومات «السنوريات» «القطط الكبيرة» في جبال متخندوش كبحوث علمية عالمية، بينما نفرط نحن في إرثنا.
الردع والقانون: أكد أن اللجان العاملة حالياً على تحديث قانون حماية الآثار ستصدر قانوناً رادعاً وممتازاً لحماية الآثار الثابتة والمنقولة. واختتم بمرارة بالقول إن بعض المخالفين هم من حملة الشهداء العليا، مؤكداً أن «الوعي لا يقاس بالشهادة الدراسية، بل بالضمير الإنساني والوطني».
رابعاً: البعد البيئي والسياحي (رؤية الكابتن عمران شيوة)
حذر الكابتن عمران شيوة «مرشد سياحي وخبير صحراوي ورئيس منظمة نجوم الصحراء» من واقع بيئي مأساوي يهدد المعالم الطبيعية، مبرزاً الآتي:
كارثة بحيرة قبرعون: تشهد البحيرة خطراً بيئياً بسبب التراكم البلاستيكي «الأكواب والقنينات» الذي قد يتفاعل مع مياه الحوض المغلق لينذر بتسمم مائي يقضي على الحياة فيها.
أضرار الآليات: تهدد السيارات الداخلة إلى حرم البحيرة الحياة الفطرية الدقيقة )مثل كائنات «الأرتيميا» الدودية( وتخلف ترسبات ضارة في القاع الطحلبى.
الحلول العاجلة: طالب بالتسييج الفوري للبحيرات، والتحول إلى البدائل البيئية كالأكواب الورقية في الرحلات السياحية، وتفعيل الدور المحوري للمرشدين السياحيين.
خامساً: الرؤى المؤسسية والمقترحات الوطنية للإنقاذ
منظومة وطنية متكاملة: أكد حماد بوعزوم «دليل سياحي من سبها» أن الوقاية تبدأ بالاهتمام، داعياً إلى إنشاء مراكز رئيسة لمتابعة الآثار في المدن الكبرى «طرابلس، بنغازي، سبها» ترتبط بمكاتب ميدانية وتعتمد على أنظمة المراقبة الإلكترونية وغرف التحكم الحديثة، إلى جانب الاستفادة من الخبرات الوطنية في الصيانة والترميم.
دعم الكفاءات المحلية: دعا الترميم سامي الشبشوبي«من جبل نفوسة» إلى وضع الثقة الكاملة في الكفاءات والكوادر الوطنية للترميم، وتوفير التقنيات الحديثة لها، مع جعل الاستعانة بالخبرات الأجنبية محصورة في أضيق الحدود لأغراض نقل المعرفة والتدريب فقط.
الشراكة المؤسسية: دعا محمد بن صالح «مدير مكتب السياحة والآثار ببلدية جرمة» إلى توحيد الجهود وتنفيذ زيارات ميدانية حية لحصر الأضرار. وأعلن محمد حماد وقوف الغرفة السياحية في فزان تامةً إلى جانب الحملة كشريك أساسي لحماية سحر الجنوب وموروثه للأجيال القادمة.
سادساً: حادثة ككلة وتحولات التراث تحت الأرض
مفاجأة الكهف العتيق: تطرق الباحث الأكاديمي المهتم بالتراث والآثار حسام البرغوثي «من بني وليد» إلى حادثة خطيرة تمثلت في الانهيار المفاجئ لجزء من منزل عائلة عبد الرؤوف أحمد بالقاسم في مدينة ككلة أثناء تواجد العائلة داخله، مما أدى إلى إصابة طفلة العائلة بجروح. وكشف الانهيار عن وجود كهف عميق مجهول النهاية أسفل المنزل.
أبعاد تاريخية وهندسية: تساءل البرغوثي عن طبيعة الكهف وتاريخ نشأته، محتملاً عودته إلى عصور قديمة كالعهد الروماني، ومؤكدًا أن احتمال وجود آثار تاريخية يستدعي تدخلاً علمياً ورسمياً من الجهات البلدية والدفاع المدني ومصلحة الآثار لمعاينة المكان وفحصه هندسياً لدرء الخطر عن المنازل المجاورة.
دعوة للشفافية والحذر: انتقد ما يُتداول بشأن التكتم على الحادثة، داعياً أهالي ككلة إلى توخي الحذر وعدم الاقتراب من موقع الانهيار، ومطالبًا بكشف حقيقة الكهف وإعلان نتائج الفحص بشفافية تامة لحماية الأرواح وصون الموروث التاريخي.
سابعاً: جرس إنذار اليونسكو وتقارير الخطر لعام 2026
وضع أكاكوس على قائمة الخطر: أشار عبد الباسط بشر «مدير الغرفة السياحية بالمنطقة الجنوبية» إلى أن جبال أكاكوس الأثرية -التي أُدرجت ضمن التراث العالمي عام 1985- باتت اليوم ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المعرض للخطر.
تقارير التخريب الدولية: لفت بشر إلى تقرير منظمة اليونسكو لعام 2026، والذي وثق تعرض العديد من المواقع للتخريب باستخدام الطلاء، فضلاً عن عمليات قص وسرقات وإزالة لمعالم أثرية، مما يستوجب تحركاً عاجلاً وفعالاً لحماية هذا الإرث الإنساني العالمي.
ثامناً: الغطاء الرسمي ومسؤولية الأجيال
ضرورة الصفة الرسمية للحملة: أكدت الناشطة المدنية أزة الشريف «من أوباري» على أهمية أن تنطلق حملة «كفى خربشة» بصفة رسمية تمنحها الغطاء القانوني والوضوح المؤسسي لضمان فاعلية التوعية المجتمعية، مشددة على أن القضية تتجاوز مجرد الكتابة على الجدران لتطال حجارة تراثية وثائق تاريخية لحضارة الأجداد.
أمانة التسليم للأجيال: شددت الشريف على ضرورة غرس حب التراث وقيم المحافظة عليه في نفوس الأطفال والشباب، ليدركوا أن الحجر الأثري جزء لا يتجزأ من الذاكرة والهُوية الوطنية، مختتمة بالتأكيد على أن التراث أمانة ثقيلة ومسؤولية مشتركة ينبغي تسليمها سليمة للأجيال القادمة.
)كفى.. الحجر ليس دفترًا لجهلك(
«احتفظ بصورة ذكرياتك في هاتفك وليس على المعلم الأثري»

