فتح مكتب النائب العام ملف تزوير المؤهلات العلمية يضع المنظومة الأكاديمية أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق بصحة الشهادات وحدها، بل بنزاهة المؤسسات التي تمنح الدرجات العلمية، والجهات التي تعتمدها، والمسؤولين الذين يتولون مراجعتها.
فالمؤهل العلمي ليس لقبًا للتباهي، ولا وسيلة للوصول إلى منصب أو ترقية، بل استحقاق يقوم على التحصيل العلمي والبحث والالتزام بالمعايير القانونية والأكاديمية. وحين تحوم الشبهات حول صحة بعض المؤهلات، فإن الأمر يتجاوز أصحابها إلى الثقة في الجامعة الليبية ومكانتها وسمعة شهاداتها.
إن خطورة هذا الملف تكمن في احتمال أن تكون أي مخالفات قد انعكست على التعيينات والترقيات، وربما على مسارات دراسية أخرى، إذا ثبت التحاق طلبة ببرامج الدراسات العليا استنادًا إلى مؤهلات غير صحيحة. وهنا تبرز ضرورة أن تشمل المراجعة جميع الحلقات المعنية، من أصحاب الشهادات إلى الجهات التي تولت اعتمادها، دون افتراض إدانة أحد قبل استكمال التحقيقات.
ولا تكتمل العدالة بمراجعة الشهادات وحدها، بل بمساءلة كل من يثبت تورطه، سواء بالتزوير أو التسهيل أو الإهمال المتعمد، أو التستر على المخالفات. كما تقتضي النزاهة حماية أعضاء هيئة التدريس الذين نالوا درجاتهم العلمية بجهدهم واستحقاقهم، حتى لا تتساوى الكفاءة مع الادعاء، ولا يُظلم المستحق بسبب ممارسات الآخرين.
المطلوب اليوم أن تتحول التحقيقات إلى إجراءات واضحة ونتائج معلنة في حدود القانون، وأن تخضع ملفات التعيين والترقية للمراجعة الموضوعية، مع ضمان حق الدفاع وقرينة البراءة. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على التشهير، بل على الأدلة والمحاسبة العادلة، ولا يكتمل بفتح الملفات، وإنما بكشف الحقيقة ومعالجة أسباب الخلل.
ويبقى السؤال: هل يقود هذا الملف إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار للكفاءة العلمية، أم يظل مجرد إجراء ينتهي بانتهاء الاهتمام به؟
إن الجامعة الليبية لا تحتاج إلى ألقاب أكثر، بل إلى ثقة أكبر؛ ولا تحتاج إلى شهادات معلقة على الجدران بقدر حاجتها إلى عقول تستحقها. فالعلم أمانة، والدرجة الأكاديمية مسؤولية، والنزاهة هي المعيار الذي ينبغي أن يخضع له الجميع، دون استثناء.

