
ليست البذاءة قوة ولا الصخب هيبة ولا الجلوس على رأس دولة كبرى يمنح صاحبه حق التطاول على الشعوب وإهانة أوطانها. فعندما ينحدر الخطاب إلى الإساءة لا تنكشف حقيقة من يستهدفه بقدر ما ينكشف عجز صاحبه عن إدراك الفارق بين قوة الدولة وأخلاق القيادة.
ليبيا التي يتطاول عليها دونالد ترامب ليست دولة طارئة على التاريخ ولا أرضًا بلا ذاكرة ولا شعبًا ينتظر من أحد أن يمنحه شهادة في الوطنية والكرامة. إنها بلاد تعاقبت عليها الحضارات وواجه أبناؤها الغزاة وانتزعوا استقلالهم بتضحيات جسيمة وكتبوا بدماء شهدائهم صفحة لا تمحوها تصريحات عابرة مهما كان قائلها.
نعم، تعيش ليبيا أزمة سياسية عميقة أنهكها الانقسام وأضعفتها صراعات السلطة وأثقلت كاهل شعبها سنوات الفوضى. لكن أزمات الدول ليست صكًا مفتوحًا لإهانتهاوضعف حكوماتها لا يعني سقوط حق شعوبها في الاحترام. هنا يكمن الفارق بين تشخيص أزمة وطن واستغلالها للنيل من كرامته.
والأشد إيلامًا أن تتحول الإهانة إلى اختبار جديد لدبلوماسية ليبية طالما تحدثت عن الشراكات والمصالح والعلاقات الدولية بينما يظل السؤال قائمًا: أين الموقف الذي يوازي حجم الإساءة؟ إن السيادة لا تُصان بالبيانات الباهتة ولا تحمى بالمجاملات بل بموقف رسمي واضح وإرادة سياسية تدرك أن الاحترام المتبادل ليس ترفًا دبلوماسيًا.
على ترامب وغيره أن يدركوا أن المصالح قد تفرض الحسابات لكنها لا تشتري كرامة الشعوب.
ليبيا أكبر من حكوماتها وأبقى من أزماتها، وكرامة شعبها ليست ورقة تفاوض، ولا إهانتها استعراضًا يمر بلا موقف.



