اقتصاد

‭ ‬ليبيا‭ ‬تُصدّر‭ ‬الغاز‭ ‬إلى‭ ‬إيطاليا‭.. ‬ومواطنها‭  ‬يطارد‭ ‬أسطوانة‭!‬

رجب‭ ‬عصر

حكاية‭ ‬وطن‭ ‬غنيّ‭ ‬بالثروات،‭ ‬فقير‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أزماته‭ ‬في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬يصعب‭ ‬استيعابه،‭ ‬تقف‭ ‬ليبيا،‭ ‬الدولة‭ ‬الغنية‭ ‬بالنفط‭ ‬والغاز،‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬غاز‭ ‬الطهي‭ ‬لمواطنيها،‭ ‬بينما‭ ‬يتدفق‭ ‬الغاز‭ ‬الليبي‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬ومنه‭ ‬إلى‭ ‬إيطاليا‭! ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الثروات،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬دولة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الإمكانيات،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬بلدٍ‭ ‬يمتلك‭ ‬مقومات‭ ‬الرفاه،‭ ‬ويعجز‭ ‬مواطنه‭ ‬عن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أبسط‭ ‬احتياجاته‭ ‬اليومية‭. ‬أيُّ‭ ‬مفارقة‭ ‬هذه؟‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأرض‭ ‬غنية،‭ ‬والخزائن‭ ‬مليئة‭ ‬بالإمكانات،‭ ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الانتظار‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أسطوانة‭ ‬غاز،‭ ‬ويقضي‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬يومه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬أسرته‭! ‬والمشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أزمة‭ ‬غاز‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬حلقة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬الأزمات‭ ‬الليبية‭ ‬المتواصلة‭. ‬أزمات‭ ‬في‭ ‬الوقود،‭ ‬وانقطاعات‭ ‬في‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وشحّ‭ ‬في‭ ‬السيولة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬وتراجع‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وأعباء‭ ‬معيشية‭ ‬تتزايد‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬المواطن‭ ‬يشعر‭ ‬وكأنه‭ ‬يخوض‭ ‬معركة‭ ‬يومية‭ ‬لتأمين‭ ‬أبسط‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭: ‬كيف‭ ‬لدولة‭ ‬تمتلك‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وتُصدّر‭ ‬مواردها‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬أن‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬ضمان‭ ‬استقرار‭ ‬إمداداتها‭ ‬للسوق‭ ‬المحلية؟‭ ‬لسنا‭ ‬ضد‭ ‬التصدير،‭ ‬ولا‭ ‬ضد‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬الدولة‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المقبول‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬ثروات‭ ‬بلاده‭ ‬متاحة‭ ‬للأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬بينما‭ ‬تتحول‭ ‬احتياجاته‭ ‬الأساسية‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬موسمية‭ ‬متكررة‭. ‬الثروة‭ ‬الوطنية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬التصدير،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تبدأ‭ ‬بضمان‭ ‬احتياجات‭ ‬المواطن‭ ‬وكرامته‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد،‭ ‬والتخطيط،‭ ‬والرقابة،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬حلول‭ ‬مستدامة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بردود‭ ‬الفعل‭ ‬والوعود‭ ‬التي‭ ‬تتكرر‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭. ‬فالمواطن‭ ‬الليبي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ينتظر‭ ‬خطابات‭ ‬جديدة،‭ ‬ولا‭ ‬تبريرات‭ ‬جاهزة،‭ ‬ولا‭ ‬حلولًا‭ ‬مؤقتة‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الأزمة‭ ‬لتعود‭ ‬من‭ ‬جديد؛‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬خدمات‭ ‬مستقرة،‭ ‬وأسعارًا‭ ‬معقولة،‭ ‬وإدارة‭ ‬تحترم‭ ‬وقته‭ ‬وكرامته،‭ ‬ودولة‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬ثروات‭ ‬بلاده‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬فإلى‭ ‬متى‭ ‬تبقى‭ ‬ليبيا‭ ‬بلدًا‭ ‬غنيًّا‭ ‬بموارده،‭ ‬مثقلًا‭ ‬بأزماته،‭ ‬ويظل‭ ‬المواطن‭ ‬فيها‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬سوء‭ ‬الإدارة؟‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الغاز‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬فمن‭ ‬حق‭ ‬المواطن‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬بيته؟‭ ‬ليبيا‭ ‬لا‭ ‬ينقصها‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬تحسن‭ ‬استثمار‭ ‬ثرواتها،‭ ‬وتضع‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬أولوياتها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى