في شهر أغسطس الماضي، وجّه مكتب النائب العام كتاباً رسمياً إلى الوزارات والهيئات والمؤسسات والأجهزة العامة، شدد فيه على ضرورة التحقق من اعتماد الجامعات والمؤسسات التعليمية الخاصة من قِبل «المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية»، وذلك كشرط أساسي قبل قبول المؤهلات العلمية للتعاقد والتعيين، مع إلزام الجهات المعنية بإحالة الشهادات المزورة إلى مكتب النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية حيال مزوريها ومستخدميها. هذا التحرك القضائي يطرح سؤالاً جوهرياً على طاولة التعليم العالي حول ما إذا كان الاعتماد المؤسسي والبرامجي كافيان بمفردهما لضمان سلامة المؤهل ونزاهة الخريج، أم أن هناك فجوة تنفذ منها شهادات صورية إلى سوق العمل في القطاع العام والخاص. هذه الفجوة في اعترافات حية أطلقها أحد طلاب جامعة خاصة حاصلة على «اعتماد ضمان الجودة»، حين لخص كيفية تجاوز المقررات الدراسية بقوله: «أحضر أيام الامتحانات فقط، وأعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي من هاتفي المحمول للإجابة على الأسئلة داخل القاعة دون أن أفتح كتاباً طوال الفصل الدراسي، والمهم أني أدفع الأقساط الشهرية للجامعة».
تفتح هذه الشهادة الحية الباب أمام تساؤلات ملحة حول الفجوة المتزايدة بين استيفاء الجامعة للشروط الشكلية للاعتماد، وبين الضمان الفعلي لكفاءة الطالب ونزاهة العملية التعليمية. فإن حصول المؤسسة التعليمية على اعتماد من المركز الوطني يُعد إثباتاً لاستيفاء المعايير التنظيمية والبنية التحتية واللوائح الإدارية، لكنه لا يشكل بالضرورة ضمانة لسلامة التحصيل العلمي لكل طالب على حدة. فالشهادة الجامعية تفقد قيمتها العلمية والقانونية وتتحول إلى مجرد وثيقة شكلية تفقد شرعيتها إذا اختلت أركان التحصيل الأساسية، وفي مقدمتها الغياب التام عن المحاضرات، وانقطاع التفاعل الأكاديمي المباشر، وانعدام المذاكرة والاطلاع والجهل التام بالمراجع والمفاهيم الأساسية للتخصص، إلى جانب الاستعانة بالوسائط الذكية والذكاء الاصطناعي داخل القاعات الامتحانية للإجابة نيابة عن الطالب.
ومع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية المتناهية الصغر، بات الاقتصار على الاختبارات النظرية التقليدية ثغرة صريحة في جدار الرقابة الأكاديمية؛ فنظام التقييم الذي يعتمد حكراً على الاختبارات التحريرية لم يعد كافياً لقياس مهارات الطالب الفعلية، بعد أن تحولت القاعات الامتحانية التي تفتقر للرقابة المشددة إلى بيئة سهلة لممارسات التزييف والتفوق الوهمي. ولإعادة الاعتبار للشهادات الجامعية، اقترح تفعيل نظام «التقييم المتكامل» الذي لا يكتفي بالأوراق التحريرية، بل يدمج الاختبارات الشفوية والمناقشات المباشرة والمشاريع التطبيقية، حيث يمثل الاختبار الشفوي والمواجهة المباشرة بين الأستاذ والطالب الخط الدفاعي الأول لكشف مدى فهم الطالب للجوهر الأكاديمي وإثبات ملكيته الفعلية للمعلومة بعيداً عن الغش أو الحفظ الآلي.
إن تساهل مركز ضمان الجودة ووزارت التعليم العالي والتقني في تتبع المؤسسات العامة والخاصة، والاكتفاء بالاعتماد المؤسسي والبرامجي دون إيفاد لجان تفتيش مفاجئة ومستمرة للتحقق من معايير التعلم الحقيقية، يضر بأهم أصول التعليم وهي النزاهة وتكافؤ الفرص. وفي النهاية، وإن نجحت الوسائل الإلكترونية في منح البعض شهادات جامعية لا يعكسها تحصيل علمي واقعي، فإن اختبارات الكفاءة الميدانية في سوق العمل ستظل الكاشف الحقيقي والفيصل النهائي لمستوى المعرفة والمهارة.
