
كانت مغامرتي الأولى مع “أم كلثوم” حارةً، ملتهبةً في ذلك اليوم من عطلة صيف السنة الأولى الثانوية، ففي خلال الأيام السابقة كان شغلي الشاغل الاستماع “لست الكُلّ” وصوتها يملأ جنبات المصيف البلدي، طرباً وشجناً، وولهاً، وفرحاً وحزناً، أطراف النهار وآناء الليل.!
كل ذلك من خلال ميكروفونات مسجلات “البانوسينيك” و”الفيليبس” الموضوعة أغلبها على طاولات صغيرة أمام حجرات المصيف، من خلال أشرطة الكاسيت الشهيرة.
أطرقت السمع كثيراً، لأغنية ظلّت تتردد عند جارنا، وهو يتمايل نشوةً مع كل آهة من آهات “السِتّ”..
بعدَ أيامٍ رأيتُ من اللازم انضمامي إلى نخبة الطرب الأصيل وتذوّق كل ذلك الجمال، أول خطوات ذلكَ شراء شريط «كاسيت» للأغنية التي كانت تتردد نغماتها لأيامٍ متتالية.
ذات صباح عزمتُ على تنفيذ المهمة، فكان لصاحب دكان بيع أشرطة موسيقية في شارع بغداد المحطة الأولى وسألته بكل ثقة:
-عندك شريط “الدولة في الغرام” لأمّ كلثوم؟
دون أن يلتفت نحوي، أجابني بحاجبيه بالنفي.
مستغرباً جهله بالموسيقى و”ست الكل” خرجت منه متأففاً، مزهواً بثقافتي الموسيقية.
نفس الأمر تكرر مع أكثرِ من محلٍ، حتى عثرت على ضالتي المنشودة، عندما أصرّ بائع أشرطة موسيقية على عدم وجود أغنية بذلك الاسم، وهو على أي حال لم يسمع بها خلال العشرة سنوات الماضية منذ افتتاحه لهذا المحل! وأردف قائلاً:
- يا ولدي أكيد تقصد أغنية “الأوّلة في الغرام”!
على الرغم من قناعتي أنها ليست نفس الأغنية المطلوبة، اشتريت نسخة منها.
في اليوم التالي، وعلى رشفات فنجان القهوة، تخيلناها كأس الندماء، كنت أردد بصوتٍ “أقرج” صحبة صوتٍ ملائكي، يخرج من بين شفتي صديقي في تذوق الطرب الأصيل “عيسى الصاري” وقد قاربت عروق رقبته أن تنفجر، في محاولة جديّة لتقليد “كوكب الشرق” في آهاتها، مرددين معاً:
- الأولة في الغرام والحب شبكوني بنظرة عين…!
منذ ذلك اليوم اقتنعت بالاسم الصحيح للأغنية، وانضممت ونديمي إلى نادي “أهل الهوى”
لكننا لم نترك مضاجعنا مثلهم، حتى تاريخه على الأقلّ…!


