ثقافة

الذاكرة الليبية في ضوء الأرشيف العثماني قراءة في جهود فاضل بيات

لطالما‭ ‬واجهتْ‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الخاص‭ ‬بالولايات‭ ‬الطرفية‭ ‬تحديات‭ ‬عميقة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬عند‭ ‬الاعتماد‭ ‬الحصري‭ ‬على‭ ‬أرشيف‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬الإمبراطوري‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬عانت‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬العثماني‭ ‬من‭ ‬مأزقين‭ ‬متناقضين‭: ‬التهميش‭ ‬المطلق‭ ‬الذي‭ ‬يلغي‭ ‬دور‭ ‬الأطراف،‭ ‬أو‭ ‬التعميم‭ ‬المخل‭ ‬الذي‭ ‬يتجاهل‭ ‬الخصوصيات‭ ‬المحلية؛‭ ‬مما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬لتأويلات‭ ‬سياسية‭ ‬موجهة‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬المجردة‭. ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الثغرة،‭ ‬يبرز‭ ‬الجهد‭ ‬الاستثنائي‭ ‬للمؤرخ‭ ‬العراقي‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬فاضل‭ ‬بيات‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابه‭ ‬المرجعي‭ ‬‮«‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وثائق‭ ‬الأرشيف‭ ‬العثماني‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬يأتي‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬مركز‭ ‬الأبحاث‭ ‬للتاريخ‭ ‬والفنون‭ ‬والثقافة‭ ‬الإسلامية‭ )‬إرسيكا‭( ‬المخصصة‭ ‬لتاريخ‭ ‬البلدان‭ ‬الإسلامية‭. ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬‮«‬بيات‮»‬‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأوراق‭ ‬الإدارية‭ ‬كنصوص‭ ‬جامدة،‭ ‬بل‭ ‬يستنطقها‭ ‬كدلائل‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬وسياسية‭ ‬تكشف‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬وقد‭ ‬استُهل‭ ‬هذا‭ ‬السفر‭ ‬بتقديم‭ ‬للمدير‭ ‬العام‭ ‬لإرسيكا،‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬محمود‭ ‬أرول‭ ‬قليج،‭ ‬موضحاً‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الموجه‭ ‬للباحثين‭ ‬الناطقين‭ ‬بالعربية‭ ‬لتيسير‭ ‬وصولهم‭ ‬للمصادر‭ ‬الأولية‭.‬

منهجية‭ ‬التفكيك‭ ‬ومساءلة‭ ‬الزمن‭ ‬التاريخي

يستند‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬بيات‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬خبرة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬شفرات‭ ‬الأرشيف‭ ‬العثماني‭ ‬المعقدة‭. ‬وقد‭ ‬تجلت‭ ‬صرامته‭ ‬المنهجية‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬مجلدين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختيار‭ ‬وترجمة‭ ‬وتقديم‭ ‬نسخ‭ ‬مصورة‭ ‬لـ‭ ‬683‭ ‬وثيقة‭ ‬رسمية‭ ‬أصلية‭ ‬متفاوتة‭ ‬الطول،‭ ‬منتقاة‭ ‬بعناية‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬أهميتها‭ ‬وموضوعاتها‭. ‬ولتمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬القارئ،‭ ‬قدّم‭ ‬المؤلف‭ ‬ملخصًا‭ ‬مكثفًا‭ ‬في‭ ‬ست‭ ‬عشرة‭ ‬صفحة‭ ‬يستعرض‭ ‬تاريخ‭ ‬ليبيا‭ ‬خلال‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني‭ ‬ليكون‭ ‬خلفية‭ ‬أساسية‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬لفهم‭ ‬سياق‭ ‬الوثائق‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬بذل‭ ‬الباحث‭ ‬جهداً‭ ‬مضنياً‭ ‬لتفكيك‭ ‬النظم‭ ‬الزمنية‭ ‬المتداخلة‭ ‬وتحويل‭ ‬التواريخ‭ ‬الرومية‭ ‬والمالية‭ ‬والهجرية‭ ‬إلى‭ ‬التقويم‭ ‬الميلادي،‭ ‬معتمداً‭ ‬فهارس‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬مجلد‭ ‬تصف‭ ‬موضوع‭ ‬كل‭ ‬وثيقة‭ ‬بدقة‭ ‬وسلاسة،‭ ‬وتارکاً‭ ‬بعض‭ ‬المحاور‭ ‬مفتوحة‭ ‬لعدم‭ ‬اكتمال‭ ‬تصنيف‭ ‬بعض‭ ‬فروع‭ ‬الأرشيف‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

ولاية‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة‭ ‬وفخاخ‭ ‬اللغة

عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬فصلاً‭ ‬رُتبت‭ ‬موضوعياً‭ ‬وزمنياً،‭ ‬ينقل‭ ‬الكتاب‭ ‬القارئ‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬الجافة‭ ‬إلى‭ ‬حيوات‭ ‬مجتمعية‭ ‬نابضة‭. ‬يسلط‭ ‬العمل‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬السياسية‭ ‬والعمرانية،‭ ‬وبدايات‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬وبنغازي،‭ ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توثيق‭ ‬تأسيس‭ ‬أول‭ ‬مطبعة‭ ‬بالولاية،‭ ‬وتمديد‭ ‬خطوط‭ ‬‮«‬الترامواي‮»‬،‭ ‬ومشاريع‭ ‬تطهير‭ ‬الموانئ‭ ‬وإعمار‭ ‬المراسي‭ ‬المهجورة‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الإضاءات‭ ‬التحليلية‭ ‬للباحث‭ ‬هي‭ ‬وقوفه‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬فخاخ‭ ‬اللغة‭. ‬فقد‭ ‬بيّن‭ ‬كيف‭ ‬طوّعت‭ ‬الإدارة‭ ‬العثمانية‭ ‬الألفاظ‭ ‬العربية‭ ‬لتعني‭ ‬دلالات‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬سياقها‭ ‬المعجمي،‭ ‬فمصطلح‭ ‬الرعايا‭ ‬لا‭ ‬يُقصد‭ ‬به‭ ‬عموم‭ ‬الشعب،‭ ‬بل‭ ‬يقتصر‭ ‬حصراً‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬الخاضعين‭ ‬للضرائب‭ ‬خارج‭ ‬السلك‭ ‬العسكري‭. ‬كذلك،‭ ‬استُخدمت‭ ‬كلمة‭ ‬الخانة‭ ‬لتدل‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬سكنية‭ ‬وضرائبية،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬مالي‭ ‬وإداري‭ ‬دقيق‭.‬

كواليس‭ ‬القرارات‭ ‬الكبرى‭ ‬والأمانة‭ ‬البصرية

يستمد‭ ‬العمل‭ ‬قيمته‭ ‬الاستثنائية‭ ‬من‭ ‬غوصه‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬دفاتر‭ ‬المهمة،‭ ‬متضمناً‭ ‬تقارير‭ ‬نادرة‭ ‬أُرسلت‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬إلى‭ ‬عاصمة‭ ‬الخلافة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬خبايا‭ ‬النزاعات،‭ ‬كالتفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬لحملة‭ ‬‮«‬حسن‭ ‬بك‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1842‭.‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الصرامة‭ ‬البحثية،‭ ‬اهتم‭ ‬المؤلف‭ ‬بالجانب‭ ‬البصري؛‭ ‬حيث‭ ‬طوّع‭ ‬تقنيات‭ ‬المعالجة‭ ‬الرقمية‭ ‬لتقليص‭ ‬الفراغات‭ ‬البيضاء‭ ‬بين‭ ‬أسطر‭ ‬الوثائق‭ ‬المصورة‭ ‬لتقليل‭ ‬كلفة‭ ‬الطباعة‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بجوهرها‭. ‬كما‭ ‬أثرى‭ ‬الكتاب‭ ‬بصور‭ ‬تاريخية‭ ‬نادرة‭ ‬تعود‭ ‬لما‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬1907‭. ‬واختتم‭ ‬مجلده‭ ‬الأول‭ ‬بقسم‭ ‬يضم‭ ‬عشر‭ ‬صفحات‭ ‬من‭ ‬الخرائط‭ ‬القديمة‭ ‬النَّادرة‭. ‬ولتسهيل‭ ‬البحث،‭ ‬ذُيّلَ‭ ‬المجلد‭ ‬الثاني‭ ‬بفهرس‭ ‬مركب‭ ‬وشامل‭ ‬يربط‭ ‬أطراف‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬الموسوعي‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يُعد‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬الرصين‭ ‬خروجًا‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬السرديات‭ ‬التاريخية‭ ‬المكرَّرة،‭ ‬ليمثل‭ ‬وثيقة‭ ‬حيّة‭ ‬تدين‭ ‬الكسل‭ ‬المعرفي‭ ‬السائد‭. ‬إنه‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬مشرعًا‭ ‬لإعادة‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخ‭ ‬ليبيا‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬أصلية‭ ‬ومراسلات‭ ‬سرية‭ ‬كُتبتْ‭ ‬بحبر‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها‭.‬‮ ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى