السكوت يقتل .. والانتحار يدق ناقوس الخطر تعبوا.. وسكتوا .. لين اختاروا النهاية
فائزة العحيلي

في بلدٍ أنهكته التحولات السياسية والاقتصادية تتسلَّل ظاهرة الانتحار في بلادنا بهدوءٍ مقلق لتتحوَّل من حالات فردية معزولة إلى مؤشر اجتماعي يستدعي التوقف والتحليل. فخلال السنوات الأخيرة بدأت الأرقام تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا مما يبدو، في ظل غياب الإحصاءات الدقيقة وتراجع الاهتمام بالصحة النفسية وفق ما أشارت إليه تقارير الوكالة الليبية للأنباء 2025.
تشير بيانات دراسات وبحوث اجتماعية حول الصحة النفسية في ليبيا وتقارير صادرة عن مراكز بحثية ليبية عن تسجيل نحو 304 حالات انتحار خلال عام 2024، بمعدل يقارب 4.5 حالات لكل 100 ألف نسمة مع تفوق واضح لنسبة الذكور 206 حالات) مقارنة بالإناث 98 حالة( بحسب إحصائيات رسمية متداولة. ورغم أن هذه الأرقام تبدو منخفضة مقارنة بدول أخرى إلا أن خبراء يرون أنها لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة نتيجة ضعف التوثيق ووصمة المجتمع تجاه الانتحار، وهو ما أكدته تقارير بحثية محلية.
وفي تفاصيل أكثر دقة كشفت وزارة الداخلية عن تسجيل 44 حالة انتحار في 15 بلدية خلال النصف الأول من عام 2024، في مؤشر على تصاعد الظاهرة مقارنة بالسنوات السابقة. كما أظهرت بيانات أمنية من مناطق الشرق والجنوب تسجيل 43 حالة انتحار مع إنقاذ 6 حالات أخرى خلال الفترة نفسها مع تسجيل أعلى نسبة في مدينة بنغازي التي استحوذت على نحو 44 % من الحالات وفق تقارير إعلامية محلية.
اللافت في هذه الأرقام ليس فقط ارتفاعها النسبي بل تنوع الفئات العمرية حيث تراوحت أعمار الضحايا بين 11 و82 عامًا ما يعكس أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة محددة وإن كانت تتركز بشكل أكبر بين الشباب. وتشير دراسات محلية إلى أن الفئة العمرية بين 18 و64 عامًا تمثل النسبة الأكبر من الحالات، وهو ما يرتبط غالبًا بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية بحسب ما نشره المركز الليبي للدراسات والاستشارات.
من حيث الوسائل تظهر المعطيات أن الشنق هو الطريقة الأكثر شيوعًا في ليبيا إلى جانب حالات أقل باستخدام الأدوية أو الحرق ما يعكس نمطًا متكررًا في السلوك الانتحاري داخل المجتمع وفق تقارير إعلامية وتحليلية محلية. كما تم تسجيل حالات بين طلبة وطالبات في مؤشر مقلق على امتداد الأزمة إلى الفئات الأصغر سنا.
وتكشف تقارير صادرة عن المركز الليبي للدراسات الإستراتيجية أن تصاعد الظاهرة يرتبط بشكل مباشر بتداعيات سنوات الصراع والانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية إضافة إلى ضعف خدمات الصحة النفسية. كما تلعب البطالة وتعاطي المخدرات،والتفكك الأسري دورا في دفع بعض الأفراد نحو هذا المسار.
ورغم خطورة هذه المؤشرات تواجه ليبيا تحديًا كبيرًا يتمثل في شح البيانات الرسمية حيث لا توجد منظومة وطنية دقيقة لرصد حالات الانتحار ما يجعل من الصعب وضع سياسات فعالة للحد من الظاهرة. وقد حذرت تقارير بحثية من أن الأرقام المتاحة لا تكفي لبناء تقييم شامل في ظل غياب الإحصاء السكاني وضعف نظم التسجيل.
في المقابل بدأت بعض المؤسسات البحثية والجهات الحكومية في التحرك، من خلال تنظيم حواريات علمية وتشكيل لجان لدراسة الظاهرة وتحليل أسبابها خاصة خلال الفترة من 2020 إلى 2024، وذلك بدعم من الهيئة الليبية للبحث العلمي في محاولة لفهم أبعادها الاجتماعية والنفسية.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الأرقام بل في كسر السكوت المجتمعي. فوصمة المرض النفسي والخوف من الفضيحة يدفعان كثيرا من الأسر إلى إخفاء حالات الانتحار أو تسجيلها تحت مسميات أخرى ما يعمق الفجوة بين الواقع والإحصاءات.
إن ما يحدث اليوم في بلادنا ليس مجرد ظاهرة عابرة بل إنذار يتطلب استجابة شاملة تبدأ من تعزيز خدمات الصحة النفسية وتمر عبر حملات التوعية ولا تنتهي إلا بإعادة بناء شبكة الأمان الاجتماعي التي تحمي الأفراد من الانهيار.
وفي ظل هذه المعطيات يبقى السؤال مفتوحًا هل تتحرك المؤسسات قبل أن تتحوَّل الأرقام إلى أزمة أكبر … أم يستمر السكوت.


