
في أحد الأحياء الهادئة كانت سيدة تعيش ما تبقى لها من عمر بحثًا عن السكينة والاستقرار، قبل أن تجد نفسها في مواجهة واقع لم تتخيل يومًا أنها ستكون جزءًا منه.
ابن زوجها شاب في التاسعة عشر من عمره، يدخل ويخرج من البيت كالعاصفة يصرخ يفتعل المشكلات، ويثير القلق في كل زاوية من المكان. الجيران يعرفونه، وأقرب النَّاس إليه يخشون تصرفاته بينما يبرر البعض حالته بأنها «مرض»، في حين تؤكد التحاليل أن الإدمان كان قد سبق المرض، وأصبح جزءًا من حياته اليومية.
لكن خلف هذه الصورة القاسية، تختبئ مأساة أعمق من مجرد شاب مدمن. فالقصة بدأتْ قبل سنوات طويلة يوم انهار البيت الأول الذي كان من المفترض أن يمنحه الأمان. بين خلافات الكبار وانفصال الوالدين، وجد الطفل نفسه يتنقل بين عالمين، دون أن يشعر بأنه ينتمي بالكامل لأي منهما. ومع مرور الوقت اتسعت الفجوة النفسية وغابت المتابعة الحقيقية وبدأت الصحبة السيئة تملأ الفراغ الذي تركه غياب الاستقرار الأسري.
الإدمان لم يأتِ فجأة بل كان نهاية طريق طويل من الإهمال والألم والضياع. وكلما ازداد تعلقه بالمخدرات تراجعت فرصه في الدراسة والعمل وبناء مستقبله. وتحوَّل الشاب الذي كان يومًا حلمًا لأسرته إلى عبء ثقيل على الجميع، حتى أصبح أقرب النَّاس إليه عاجزين عن احتوائه، أو مساعدته.
هذه القصة ليستْ لتبرير الخطأ، فالإدمان مسؤولية خطيرة، لكنه أيضًا جرس إنذار لكل أسرة تعتقد أن أثار الانفصال تنتهي بمجرد توقيع الأوراق، أو مغادرة أحد الطرفين للمنزل. فالطفل الذي لا يجد الاحتواء قد يبحث عنه في أماكن أخرى والفراغ العاطفي قد يتحوَّل مع الوقت إلى جرح يصعب علاجه.
ويبقى السؤال المؤلم: ماذا ينتظر هذا الشاب في المستقبل؟ سنوات من العلاج والمعاناة ومحاولات استعادة ما ضاع من عمره، إن وجد مَنْ يمد له يد المساعدة. فالإدمان يسرق الصحة والعلاقات والفرص، لكنه لا يلغي حق الإنسان في فرصة جديدة للنجاة.
العبرة .. هنا أن الأبناء ليسوا طرفًا في خلافات الكبار لكنهم غالبًا أكثر من يدفع الثمن. وبين بيتين متخاصمين قد يضيع طفلٌ، وبين لحظة إهمال وسنوات من الندم قد تتغير حياة كاملة. لذلك فإن حماية الأبناء نفسيًا وعاطفيًا بعد الانفصال ليست خيارًا، بل مسؤولية قد تنقذ مستقبل إنسان قبل أن يتحول إلى قصة حزينة أخرى ترويها المجالس والملفات الأمنية.


