اجتماعيمرايا

حين‭ ‬يدفع‭ ‬الأبنـاء‭ ‬ثمــــن‭ ‬الانفصال

فايزة العجيلي

في‭ ‬أحد‭ ‬الأحياء‭ ‬الهادئة‭ ‬كانت‭ ‬سيدة‭ ‬تعيش‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬السكينة‭ ‬والاستقرار،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واقع‭ ‬لم‭ ‬تتخيل‭ ‬يومًا‭ ‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬جزءًا‭ ‬منه‭.‬

ابن‭ ‬زوجها‭  ‬شاب‭ ‬في‭ ‬التاسعة‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬يدخل‭ ‬ويخرج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬كالعاصفة‭ ‬يصرخ‭  ‬يفتعل‭ ‬المشكلات،‭ ‬ويثير‭ ‬القلق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬من‭ ‬المكان‭. ‬الجيران‭ ‬يعرفونه،‭ ‬وأقرب‭ ‬النَّاس‭ ‬إليه‭ ‬يخشون‭ ‬تصرفاته‭ ‬بينما‭ ‬يبرر‭ ‬البعض‭ ‬حالته‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬مرض‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تؤكد‭ ‬التحاليل‭ ‬أن‭ ‬الإدمان‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬سبق‭ ‬المرض،‭ ‬وأصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭.‬

لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬القاسية،‭ ‬تختبئ‭ ‬مأساة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬شاب‭ ‬مدمن‭. ‬فالقصة‭ ‬بدأتْ‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬يوم‭ ‬انهار‭ ‬البيت‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يمنحه‭ ‬الأمان‭. ‬بين‭ ‬خلافات‭ ‬الكبار‭ ‬وانفصال‭ ‬الوالدين،‭ ‬وجد‭ ‬الطفل‭ ‬نفسه‭ ‬يتنقل‭ ‬بين‭ ‬عالمين،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬ينتمي‭ ‬بالكامل‭ ‬لأي‭ ‬منهما‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬اتسعت‭ ‬الفجوة‭ ‬النفسية‭ ‬وغابت‭ ‬المتابعة‭ ‬الحقيقية‭ ‬وبدأت‭ ‬الصحبة‭ ‬السيئة‭ ‬تملأ‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬غياب‭ ‬الاستقرار‭ ‬الأسري‭.‬

الإدمان‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬فجأة‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬نهاية‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الإهمال‭ ‬والألم‭ ‬والضياع‭. ‬وكلما‭ ‬ازداد‭ ‬تعلقه‭ ‬بالمخدرات‭ ‬تراجعت‭ ‬فرصه‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل‭ ‬وبناء‭ ‬مستقبله‭. ‬وتحوَّل‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يومًا‭ ‬حلمًا‭ ‬لأسرته‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬أقرب‭ ‬النَّاس‭ ‬إليه‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬احتوائه،‭ ‬أو‭ ‬مساعدته‭.‬

هذه‭ ‬القصة‭ ‬ليستْ‭ ‬لتبرير‭ ‬الخطأ،‭ ‬فالإدمان‭ ‬مسؤولية‭ ‬خطيرة،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬لكل‭ ‬أسرة‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬أثار‭ ‬الانفصال‭ ‬تنتهي‭ ‬بمجرد‭ ‬توقيع‭ ‬الأوراق،‭ ‬أو‭ ‬مغادرة‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬للمنزل‭. ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬الاحتواء‭ ‬قد‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬والفراغ‭ ‬العاطفي‭ ‬قد‭ ‬يتحوَّل‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬جرح‭ ‬يصعب‭ ‬علاجه‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المؤلم‭:‬‭ ‬ماذا‭ ‬ينتظر‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬المستقبل؟‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العلاج‭ ‬والمعاناة‭ ‬ومحاولات‭ ‬استعادة‭ ‬ما‭ ‬ضاع‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬إن‭ ‬وجد‭ ‬مَنْ‭ ‬يمد‭ ‬له‭ ‬يد‭ ‬المساعدة‭. ‬فالإدمان‭ ‬يسرق‭ ‬الصحة‭ ‬والعلاقات‭ ‬والفرص،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬للنجاة‭.‬

العبرة‭ .. ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الأبناء‭ ‬ليسوا‭ ‬طرفًا‭ ‬في‭ ‬خلافات‭ ‬الكبار‭ ‬لكنهم‭ ‬غالبًا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭. ‬وبين‭ ‬بيتين‭ ‬متخاصمين‭ ‬قد‭ ‬يضيع‭ ‬طفلٌ،‭ ‬وبين‭ ‬لحظة‭ ‬إهمال‭ ‬وسنوات‭ ‬من‭ ‬الندم‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬الأبناء‭ ‬نفسيًا‭ ‬وعاطفيًا‭ ‬بعد‭ ‬الانفصال‭ ‬ليست‭ ‬خيارًا،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬قد‭ ‬تنقذ‭ ‬مستقبل‭ ‬إنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬حزينة‭ ‬أخرى‭ ‬ترويها‭ ‬المجالس‭ ‬والملفات‭ ‬الأمنية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى