اجتماعيمرايا

رغم‭ ‬الازدحام هل‭ ‬سرقت‭ ‬الشاشات‭ ‬دفء‭ ‬العلاقات‭..!!‬

مروة الغرياني

في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فيه‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬يحتاج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضغطة‭ ‬زر،‭ ‬يتنامى‭ ‬شعور‭ ‬غريب‭ ‬بين‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬؛‭ ‬شعور‭ ‬بالوحدة‭ ‬رغم‭ ‬كثرة‭ ‬المحيطين‭ ‬بهم‭. ‬فبينما‭ ‬تعج‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬بالإشعارات‭ ‬وتمتلئ‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬بالصور‭ ‬والتعليقات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬اليومية،‭ ‬تتراجع‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬مساحة‭ ‬التواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ويصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬قرباً‭ ‬من‭ ‬شاشة‭ ‬هاتفه‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليه‭.‬

هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭)‬العزلة‭ ‬وسط‭ ‬الزحام‭( ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬فئة‭ ‬عمرية‭ ‬معينة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬حالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬يلاحظها‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬والشباب‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬ومدى‭ ‬تأثير‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬على‭ ‬الروابط‭ ‬الأسرية‭ ‬والإنسانية‭.‬

بين‭ ‬الواقع‭ ‬والافتراض‭.. ‬ماذا‭ ‬يقول‭ ‬الشارع‭ ‬الليبي؟

ترى‭ ‬فاطمة‭ ‬الغرياني،‭ ‬وهي‭ ‬أم‭ ‬لثلاثة‭ ‬أطفال،‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ساعدتها‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬اتصال‭ ‬بالأصدقاء‭ ‬والأقارب‭ ‬البعيدين،‭ ‬لكنها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬لاحظت‭ ‬تغيراً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭.‬

وتقول‭:‬‭ ‬‮«‬أصبح‭ ‬التواصل‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬لكن‭ ‬العلاقات‭ ‬فقدت‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬دفئها‭. ‬الرسائل‭ ‬والمحادثات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعوض‭ ‬جلسة‭ ‬عائلية‭ ‬أو‭ ‬زيارة‭ ‬تجمع‭ ‬الأحبة‭ ‬حول‭ ‬حديث‭ ‬واحد‭.‬‮»‬

أما‭ ‬سالم‭ ‬التركي،‭ ‬وهو‭ ‬موظف‭ ‬وأب‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الأبناء،‭ ‬فيشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬أصبحت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬الواحدة‭.‬

ويضيف‭: ‬نجلس‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مختلف‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأحاديث‭ ‬العائلية‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الشاشات‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مخصصاً‭ ‬للتواصل‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭.‬

ومن‭ ‬جانبها،‭ ‬ترى‭ ‬الطالبة‭ ‬الجامعية‭ ‬مريم‭ ‬المصري‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬خلقت‭ ‬ضغوطاً‭ ‬نفسية‭ ‬جديدة‭ ‬لدى‭ ‬الشباب،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬المقارنات‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الحياة‭ ‬الرقمية‭.‬

وتقول‭:‬‭ ‬نشاهد‭ ‬يومياً‭ ‬صور‭ ‬النجاح‭ ‬والسفر‭ ‬والرفاهية،‭ ‬فيشعر‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬أقل‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭. ‬أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬وسط‭ ‬أهله‭ ‬وأصدقائه‭ ‬لكنه‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬غير‭ ‬مفهوم‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مسموع‭.‬‮»‬

وتضيف‭ ‬أن‭ ‬الوحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعني‭ ‬غياب‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬غياب‭ ‬الشعور‭ ‬الحقيقي‭ ‬بالقرب‭ ‬منهم‭.‬

المختصون‭: ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬استخدامها

تؤكد‭ ‬د‭. ‬سامية‭ ‬الورفلي،‭ ‬أختصاصية‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬عرف‭ ‬تاريخياً‭ ‬بقوة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والترابط‭ ‬الأسري،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أنماط‭ ‬التواصل‭ ‬الحديثة‭ ‬فرضت‭ ‬واقعاً‭ ‬مختلفاً‭.‬

وتوضح‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬اعتمادها‭ ‬كبديل‭ ‬عن‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر‭.‬

وتقول‭:‬‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نفقد‭ ‬التواصل،‭ ‬بل‭ ‬نفقد‭ ‬نوعيته‭. ‬اللقاءات‭ ‬المباشرة‭ ‬والزيارات‭ ‬العائلية‭ ‬كانت‭ ‬تصنع‭ ‬روابط‭ ‬اجتماعية‭ ‬عميقة‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬توفرها‭ ‬الرسائل‭ ‬الإلكترونية‭ ‬أو‭ ‬التفاعلات‭ ‬السريعة‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭.‬‮»‬

وترى‭ ‬الورفلي‭ ‬أن‭ ‬انشغال‭ ‬الأفراد‭ ‬بالهواتف‭ ‬والأجهزة‭ ‬الذكية‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالحوار‭ ‬الأسري،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬دائرة‭ ‬العزلة‭ ‬داخل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت‭.‬

من‭ ‬جهته،‭ ‬يوضح‭ ‬الأختصاصي‭ ‬النفسي‭ ‬أيمن‭ ‬القماطي‭ ‬أن‭ ‬الوحدة‭ ‬النفسية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬العزلة‭ ‬الجسدية،‭ ‬فالفرد‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬محاطاً‭ ‬بعشرات‭ ‬الأشخاص‭ ‬لكنه‭ ‬يفتقد‭ ‬الشعور‭ ‬بالارتباط‭ ‬العاطفي‭ ‬الحقيقي‭.‬

ويقول‭:‬‭ ‬الإنسان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل‭ ‬المباشر‭ ‬وإلى‭ ‬الشعور‭ ‬بالاهتمام‭ ‬والاستماع‭ ‬إليه‭. ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬تمنح‭ ‬إحساساً‭ ‬سريعاً‭ ‬بالاتصال،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬دائماً‭ ‬تلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬النفسية‭ ‬العميقة‭.‬‮»‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬القلق‭ ‬والتوتر‭ ‬والشعور‭ ‬بالفراغ‭ ‬النفسي،‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭.‬

أما‭ ‬الأخصائية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬نجلاء‭ ‬بن‭ ‬غشير‭ ‬فتؤكد‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬عدواً‭ ‬للعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إيجابية‭ ‬أو‭ ‬سلبية‭ ‬بحسب‭ ‬طريقة‭ ‬استخدامها‭.‬

وتضيف‭:‬‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬قربت‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والدول،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬العلاقات‭ ‬الواقعية‭. ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي‭ ‬بديلاً‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الحقيقية‭.‬

هل‭ ‬قربتنا‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أم‭ ‬أبعدتنا؟

يكشف‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬أن‭ ‬الإجابة‭ ‬ليست‭ ‬بسيطة‭ ‬أو‭ ‬قاطعة‭. ‬فالتكنولوجيا‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تقريب‭ ‬المسافات‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وسهلت‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬والأشخاص،‭ ‬ووفرت‭ ‬فرصاً‭ ‬جديدة‭ ‬للتواصل‭ ‬والتعلم‭ ‬والعمل‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬التواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬المباشر،‭ ‬وقللت‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬الحوار‭ ‬العائلي،‭ ‬وزادت‭ ‬من‭ ‬المقارنات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬للأفراد‭.‬

وبين‭ ‬الفوائد‭ ‬والتحديات،‭ ‬يبقى‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬هو‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬والعالم‭ ‬الواقعي،‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وسيلة‭ ‬للتقارب‭ ‬لا‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المسافات‭.‬

خاتمة‭…‬

في‭ ‬مجتمع‭ ‬عُرفَ‭ ‬باللمة‭ ‬والزيارات‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم،‭ ‬تبدو‭ ‬الوحدة‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬غياب‭ ‬الأشخاص‭. ‬إنها‭ ‬شعور‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬النفوس‭ ‬رغم‭ ‬الازدحام،‭ ‬ويكبر‭ ‬أحياناً‭ ‬خلف‭ ‬شاشات‭ ‬مضيئة‭ ‬تخفي‭ ‬فراغاً‭ ‬إنسانياً‭ ‬لا‭ ‬تملؤه‭ ‬الإعجابات‭ ‬ولا‭ ‬التعليقات‭.‬

لقد‭ ‬قرّبت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المدن‭ ‬والبلدان،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أبعدت‭ ‬القلوب‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭. ‬وبين‭ ‬آلاف‭ ‬الرسائل‭ ‬اليومية،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الإنسان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬حديث‭ ‬صادق،‭ ‬ووجه‭ ‬مألوف،‭ ‬ووقت‭ ‬حقيقي‭ ‬يمنحه‭ ‬شعوراً‭ ‬بأنه‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬اسم‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭.‬

فهل‭ ‬نعيد‭ ‬للتواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬مكانته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬العلاقات‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬إشعارات‭ ‬عابرة؟‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬يعيش‭ ‬أكثر‭ ‬لحظاته‭ ‬اتصالاً‭. ‬وأكثرها‭ ‬وحدة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى