صحة

القابلة ناجية النويجي : تهميش القابلة سبب عزوف الفتيات عـن دراسة المهنة

تُعدّ‭ ‬مهنة‭ ‬القابله‭ ‬من‭ ‬أسمى‭ ‬المهن‭ ‬الإنسانية‭ ‬وأكثرها‭ ‬مساساً‭ ‬بحياة‭ ‬الأمهات‭ ‬والأطفال‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬،‭ ‬نلتقي‭ ‬إحدى‭ ‬قامات‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي،‭ ‬لتروي‭ ‬لنا‭ ‬محطات‭ ‬مسيرتها‭ ‬العلمية‭ ‬والعملية‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتكشف‭ ‬واقع‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬الموجهة‭ ‬للمرأة‭ ‬بين‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭.‬‭ ‬الاستاذةالقابلة‭.‬ناجية‭ ‬النويجي‭ .‬

ف‭ ‬كانت‭ ‬بداياتكم‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والقبالة؟

بدأت‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية‭ ‬عقب‭ ‬تخرجي‭ ‬عام‭ ‬1970؛‭ ‬حيث‭ ‬التحقت‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الولادة‭ ‬بالمستشفى‭ ‬المركزي،‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬الدكتور‭ ‬إبراهيم‭ ‬المنتصر‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1971‭ ‬أُوفدت‭ ‬للدراسة‭ ‬والتخصص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬القبالة‭ ‬بمستشفى‭ ‬القصر‭ ‬العيني‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬وأتممت‭ ‬الدبلوم‭ ‬بحصولي‭ ‬عليه‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬وبداية‭ ‬1975‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬المهام‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬توليتها‭ ‬عقب‭ ‬عودتك‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا؟

عدت‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬ومراكز‭ ‬رعاية‭ ‬الأمومة‭ ‬والطفولة؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يُشترط‭ ‬حينها‭ ‬تواجد‭ ‬قابلة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مركز‭ ‬لمتابعة‭ ‬المرأة‭ ‬أثناء‭ ‬الحمل‭ ‬والولادة‭ ‬وما‭ ‬بعدها،‭ ‬ورعاية‭ ‬حديثي‭ ‬الولادة‭. ‬تدرجت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬للعمل‭ ‬باللجنة‭ ‬الشعبية‭ ‬للصحة‭ ‬ببلدية‭ ‬طرابلس‭ ‬كبرئيسة‭ ‬لمراكز‭ ‬رعاية‭ ‬الأمومة‭ ‬والطفولة‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬صحة‭ ‬المجتمع،‭ ‬واستمررت‭ ‬بالعمل‭ ‬والمشرفة‭ ‬على‭ ‬القابلات‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1985‭.‬

كيف‭ ‬انتقلت‭ ‬تجاربكم‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإداري‭ ‬والتخطيطي‭ ‬بوزارة‭ ‬الصحة؟

في‭ ‬عام‭ ‬1985‭ ‬انتقلت‭ ‬للعمل‭ ‬بوزارة‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬الصحي،‭ ‬حيث‭ ‬أشرفت‭ ‬على‭ ‬المناهج‭ ‬والامتحانات‭ ‬والتدريب‭ ‬التخصصي‭ ‬للقابلات‭ ‬والمهن‭ ‬الصحية‭. ‬كما‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬والخطط‭ ‬واللجان‭ ‬المتنوعة،‭ ‬وتوليت‭ ‬مناصب‭ ‬قيادية‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬العاملين‭ ‬والمشتريات‭ ‬والمعاهد،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤتمرات‭ ‬والدورات‭ ‬التدريبية‭ ‬داخل‭ ‬طرابلس‭ ‬وخارجها‭.‬

ما‭ ‬أبرز‭ ‬محطاتكم‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬وتأسيس‭ ‬الإدارات‭ ‬المتخصصة؟

في‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬أصبحت‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬بقطاع‭ ‬التمريض‭ ‬والقبالة،‭ ‬واستمررت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬لسنوات‭. ‬وسعيت‭ ‬خلال‭ ‬وجودي‭ ‬في‭ ‬المهنة‭ ‬لتأسيس‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬التمريض‭ ‬والقبالة‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬لوزارة‭ ‬الصحة‭ ‬لتكون‭ ‬صوتاً‭ ‬يمثلنا،‭ ‬والحمد‭ ‬لله‭ ‬كُللت‭ ‬تلك‭ ‬الجهود‭ ‬بالنجاح‭ ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬تأسيسها‭. ‬كما‭ ‬واصلت‭ ‬التعاون‭ ‬التدريبي‭ ‬والدراسي‭ ‬واستمرار‭ ‬تدريس‭ ‬الطالبات‭ ‬وتنظيم‭ ‬الأيام‭ ‬العلمية‭ ‬والحملات‭ ‬التوعوية‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬تأسيس‭ ‬جمعية‭ ‬القابلات‭ ‬الليبية‭ ‬وتطور‭ ‬دورها؟

تأسست‭ ‬الجمعية‭ ‬عام‭ ‬1992‭ ‬وكنت‭ ‬من‭ ‬أعضائها،‭ ‬وتم‭ ‬تجديد‭ ‬نشاطها‭ ‬عام‭ ‬2009‭. ‬توليت‭ ‬رئاستها‭ ‬لاحقاً‭ ‬خلفاً‭ ‬للمؤسسة‭ ‬الأولى‭ ‬الأستاذة‭ ‬مريم‭ ‬الترهوني‭ ‬إثر‭ ‬تعرضها‭ ‬لوعكة‭ ‬صحية‭. ‬ونركز‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الدورات‭ ‬التدريبية‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬طرابلس،‭ ‬وتدريب‭ ‬عناصر‭ ‬التمريض‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬الطوارئ‭ ‬لرفع‭ ‬المهارات‭ ‬وسد‭ ‬النقص‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬القابلات‭.‬

ما‭ ‬السر‭ ‬وراء‭ ‬شغفكِ‭ ‬واستمراركِ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬لستة‭ ‬عقود؟

عشقتُ‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬لأنها‭ ‬عمل‭ ‬إنساني‭ ‬نبيل‭ ‬يُطلب‭ ‬فيه‭ ‬الأجر‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ورسالتها‭ ‬هي‭ ‬دعم‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬سن‭ ‬البلوغ‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الأمان‭. ‬القبالة‭ ‬تبني‭ ‬جسوراً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬وتشعرك‭ ‬بالرضا‭ ‬الفسيح،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المتابعة‭ ‬الدورية‭ ‬كانت‭ ‬تجعل‭ ‬معظم‭ ‬ولاداتنا‭ ‬طبيعية‭ ‬دون‭ ‬مضاعفات‭.‬

كيف‭ ‬تقارنين‭ ‬بين‭ ‬مستوى‭ ‬المتابعة‭ ‬الصحية‭ ‬للحوامل‭ ‬قديماً‭ ‬والوضع‭ ‬الحالي؟

في‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬المتابعة‭ ‬الدورية‭ ‬بمراكز‭ ‬الأمومة‭ ‬والطفولة‭ ‬تكتشف‭ ‬الأمراض‭ ‬مبكراً‭ ‬وتضمن‭ ‬ولادة‭ ‬طبيعية‭ ‬وآمنة‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فهناك‭ ‬إهمال‭ ‬وغياب‭ ‬لهذه‭ ‬المراكز؛‭ ‬مما‭ ‬اضطر‭ ‬النساء‭ ‬للجوء‭ ‬إلى‭ ‬العيادات‭ ‬الخاصة‭ ‬ذات‭ ‬التكاليف‭ ‬الباهظة‭. ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬جعل‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬تراجع‭ ‬الطبيب‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬الحادة‭ ‬أو‭ ‬المتأخرة‭ ‬كـ‭)‬الضغط‭ ‬والسكري‭ ‬والتهابات‭ ‬الكلى‭(‬،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لارتفاع‭ ‬نِسب‭ ‬العمليات‭ ‬القيصرية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالولادات‭ ‬الطبيعية‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬تغير‭ ‬بشأن‭ ‬الزيارات‭ ‬المنزلية‭ ‬للقابلات‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬المجتمع؟

كنا‭ ‬نطبق‭ ‬نظاماً‭ ‬أثبت‭ ‬نجاحه‭ ‬عبر‭ ‬الزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬المنزلية‭ ‬للحوامل،‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يحل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬الصحية‭ ‬والنفسية‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1985،‭ ‬ومع‭ ‬ظهور‭ ‬اللجان‭ ‬الثورية،‭ ‬تراجعت‭ ‬النساء‭ ‬عن‭ ‬فتح‭ ‬أبوابهن‭ ‬وتوقفت‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬تماماً‭. ‬القابلة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تُعد‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬الحامل،‭ ‬بينما‭ ‬تُعاني‭ ‬القابلة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬حالياً‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬لحساب‭ ‬أطباء‭ ‬النساء‭ ‬والولادة،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لعزوف‭ ‬الفتيات‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬المهنة‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬خطواتكم‭ ‬القادمة‭ ‬لتوعية‭ ‬المجتمع‭ ‬وإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمهنة‭ ‬القابلة؟

نحن‭ ‬بصدد‭ ‬إطلاق‭ ‬حملة‭ ‬وطنية‭ ‬توعوية‭ ‬كبرى‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الجديد‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وسنزور‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬لتعريف‭ ‬الطالبات‭ ‬بدور‭ ‬القابلة‭ ‬والوصف‭ ‬الوظيفي‭ ‬لها‭ ‬ومهامها‭ ‬الأساسية،‭ ‬لنشر‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتصحيح‭ ‬المفهوم‭ ‬الخاطئ‭ ‬الذي‭ ‬يختزل‭ ‬رعاية‭ ‬الحامل‭ ‬في‭ ‬الطبيب‭ ‬فقط‭.‬

ما‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬طبيعة‭ ‬عمل‭ ‬القابلة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬التخصصات؟

عملنا‭ ‬يتسم‭ ‬بالاستجابة‭ ‬للطوارئ‭ ‬دائماً؛‭ ‬فالولادة‭ ‬حدث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تأجيله‭ ‬أو‭ ‬تحديد‭ ‬موعد‭ ‬دقيق‭ ‬له،‭ ‬وقد‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬أو‭ ‬السيارة‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬القابلة‭ ‬المجهزة‭ ‬والمدربة‭ ‬تكون‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استعداد‭ ‬تام‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬بكل‭ ‬كفاءة‭ ‬وسعادة‭ ‬لتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬اللازم‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬كلمتك‭  ‬للقابلات‭ ‬والجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الطالبات؟

أنصح‭ ‬القابلات‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬الشريفة،‭ ‬والحرص‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬كفاءاتهن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الدورات‭ ‬والمؤتمرات‭. ‬كما‭ ‬أدعو‭ ‬طالبات‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬للتوجه‭ ‬نحو‭ ‬تخصص‭ ‬القبالة‭ ‬لسد‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬مستشفياتنا‭ ‬ومراكزنا‭ ‬الصحية،‭ ‬والوقوف‭ ‬بجانب‭ ‬أمهاتنا‭ ‬وأخواتنا‭.‬

عملنا‭ ‬يتسم‭ ‬بالاستجابة‭ ‬للطوارئ‭ ‬فالولادة‭ ‬حدث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تأجيله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى