
في السادس والعشرين من يونيو من كل عام، تحتفل ليبيا بـ «اليوم الوطني للوظيفة العامة»، وهي مناسبة أُقرت لتسليط الضوء على دور الموظف العام في بناء مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين. ومع إعلان وزارة الخدمة المدنية عن فعاليات خاصة بهذه المناسبة هذا العام، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العام بشكل لافت، وسط اهتمام رسمي وإعلامي أكبر من السنوات السابقة. غير أن هذا الاهتمام يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية في الشارع الليبي: لماذا تعاني الوظيفة العامة من ضعف في الأداء وتراجع في جودة بعض الخدمات رغم ارتفاع أعداد الموظفين والإنفاق الحكومي؟ وكيف أثرت سياسات التوظيف والتشريعات على كفاءة المؤسسات؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، استطلعنا آراء نخبة من المسؤولين، والخبراء، والموظفين لتشخيص الأزمة واقتراح مسارات الإصلاح.
الدولة بوصفها «المشغل الأوحد» وغياب التخطيط
في جوهره، يُعد الجهاز الإداري للدولة أحد أهم أعمدة الحكم الحديث. غير أن هذا الجهاز في الحالة الليبية شهد توسعاً كبيراً في التوظيف مدفوعاً باعتبارات اجتماعية واقتصادية، ما أدى إلى تضخم وظيفي في بعض القطاعات مقابل نقص واضح في كفاءات أخرى.
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة ناجية عبد الله مخلوف، عضو هيئة تدريس بالمعهد العالي للتقنيات الطبية أبوسليم، أن الوظيفة العامة تُعد العمود الفقري لأي دولة حديثة، ويقاس نجاح الدولة بمدى كفاءة جهازها الإداري لا بعدد العاملين فيه فقط. وأضافت قائلة: «في الحالة الليبية، شهد الجهاز الإداري خلال العقود الماضية توسعاً كبيراً في التوظيف نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، ومع مرور الوقت أصبحت الدولة أكبر مشغل في البلاد». وأكدت الدكتورة ناجية أن هذا الواقع خلق اعتماداً واسعاً لدى المواطنين على الوظيفة العامة كمصدر دخل أساسي، مشيرة إلى أن «ارتفاع الإنفاق الحكومي يتركز غالباً في بند المرتبات أكثر من تطوير البنية المؤسسية والتقنية، مما يؤدي إلى ضعف الإنتاجية وتراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين رغم زيادة أعداد العاملين».
أزمة إدارة لا أزمة موارد: الحاجة لمشروع وطني
من جانبه، وضع الدكتور فتحي بن شتوان، وزير الصناعة والطاقة الأسبق، يده على الجرح، مؤكداً أن جوهر الأزمة الليبية لا يتمثل في نقص الموارد بل في سوء إدارتها. وقال بن شتوان: «ليبيا تمتلك من المقومات الاقتصادية والجغرافية والبشرية ما يؤهلها لأن تكون إحدى الدول الرائدة في محيطها الإقليمي، فهي تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وموارد مالية وبشرية قادرة على إحداث نهضة وطنية شاملة».
وشدد بن شتوان على أن الأزمة تكمن في «ضعف المؤسسات، وغياب الحوكمة الرشيدة، واستفحال الفساد، وتراجع معايير الكفاءة في إدارة الشأن العام». وأضاف موضحاً: «الفساد لم يعد مجرد ممارسات فردية معزولة، بل تحول إلى منظومات وشبكات نفوذ تستنزف موارد الدولة وتؤثر على القرار السياسي والاقتصادي». ويرى أن الحل يكمن في «المشروع الحضاري النهضوي الليبي، للانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة والتنمية المستدامة برؤية تقوم على بناء دولة موحدة مستقرة ذات سيادة وقائمة على القانون».
البيروقراطية، غياب التقييم، وتآكل الحافز الوظيفي
وحول أسباب الترهل الإداري، فصّل الشاعر إبراهيم جعاكة مكامن الخلل قائلاً إن الأزمة تعود إلى «وجود تضخم وظيفي في العديد من المؤسسات دون حاجة فعلية، وضعف التخطيط الإداري، وتداخل الاختصاصات بين الجهات الحكومية». كما أشار إلى «نقص التدريب والتأهيل المستمر للموظفين، والاعتماد على الإجراءات الورقية والبيروقراطية التقليدية، وضعف نظم المتابعة والمساءلة وتأثير الانقسام السياسي، فضلاً عن انتشار مظاهر المحسوبية والوساطة في التوظيف والترقيات».
وفي ذات السياق، أوضح الشاعر مصباح غومة المعداني كيف أثرت سياسات التوظيف العشوائية على الأداء، مبيناً أن «التوسع في التوظيف دون مراعاة الاحتياجات الفعلية أدى إلى زيادة الأعباء المالية وانخفاض الإنتاجية». وأكد أن «عدم الاعتماد الكامل على معايير الكفاءة أثر على جودة الأداء، كما أن محدودية برامج التدريب والتطوير المهني أدت إلى بطء إنجاز المعاملات».
وتتفق الأستاذة حنان فرج الهدار، الموجهة التربوية ومدربة التنمية البشرية، مع هذه الطروحات، مضيفة بُعداً نفسياً ومادياً للأزمة. وتقول: «التوظيف غير القائم على معايير الكفاءة أدى إلى تكدس وظيفي». وتلفت الانتباه إلى أن «سياسة التقييم الوظيفي بحاجة إلى تطوير لأنها لا تعكس بشكل دقيق الأداء الحقيقي للموظفين، الأمر الذي يضعف روح التحفيز». وتختم الهدار بالإشارة إلى العائق الأكبر قائلة: «الجانب المالي كتأخر مرتبات الموظفين ونقص السيولة في المصارف، ساهم بشكل كبير في انعدام الشغف والرغبة في الأداء الجيد».
من جهته، أكد الأستاذ علي شبيك، وهو موظف متقاعد، أن «غياب أنظمة تقييم فعالة قائمة على الإنجاز قلل من الحافز نحو التميز والإبداع، وأضعف الربط بين الأداء والترقية». وأشار إلى أن «بعض القوانين واللوائح تحتاج إلى تحديث لتواكب متطلبات الإدارة الحديثة، فتعقيد الإجراءات الإدارية يؤدي حتماً إلى بطء تقديم الخدمات».
الرؤية الرسمية ومسارات الإصلاح الإداري
على الصعيد الرسمي، أوضح الأستاذ أسامة علي، مدير مكتب الإعلام بوزارة الخدمة المدنية، أن زخم الاحتفال هذا العام جاء «نتيجة حملات إعلامية موسعة ومشاركة رسمية أكبر، وربط المناسبة بمبادرات إصلاحية مثل مبادرة (تمكين)». وأقرّ علي بكل شفافية بأن ضعف الأداء يعود إلى «تضخم الجهاز الإداري، ضعف الانضباط، غياب نظم تقييم فعّالة، وتداخل الصلاحيات». وأكد أن أهم الحلول تتلخص في «تحديث التشريعات، اعتماد نظم تقييم ومساءلة، ترشيد التوظيف، تعزيز التدريب المستمر، وتفعيل الرقابة الإدارية والمالية».
وقد ترجمت وزارة الخدمة المدنية هذا التوجه بالإعلان، في 11 يونيو 2026، عن اعتماد 13 ملاكاً وظيفياً لجهات ومؤسسات عامة بإجمالي 13,185 وظيفة. وجاء في بيان الوزارة أن هذا الاعتماد يهدف إلى «تنظيم الهياكل الوظيفية، وتحديد الاحتياجات الفعلية من الموارد البشرية، وتحقيق التوازن بين المهام والاختصاصات، إلى جانب اعتماد خطط تدريبية لرفع كفاءة الكوادر الوطنية».
وفي هذا الإطار، يرى الباحث الأكاديمي الدكتور محمد سعيد أن الواقع الحالي «يتطلب تزايد الاهتمام بمنظومة الإصلاح والتطوير، مع عدم إنكار رغبة الجهات الحكومية في تعزيز ثقافة الوظيفة العامة وترسيخ قيم النزاهة». وشدد على أهمية «ربط المناسبة الاحتفالية ببرامج الإصلاح الإداري والتحول الرقمي التي تشهدها بعض المؤسسات».
خارطة طريق نحو الخلاص
لتجاوز هذه التحديات الهيكلية، وضع الشيخ محمد الكيلاني الجروشي حزمة من الإصلاحات التشريعية والإدارية أبرزها:
• تحديث قوانين الخدمة المدنية بما يتوافق مع العصر، واعتماد الجدارة والكفاءة في التوظيف والترقية.
• تطوير تشريعات مكافحة الفساد، وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وفق احتياجات فعلية.
• تطبيق التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، ووضع مؤشرات واضحة لقياس الأداء.
• تعزيز دور الأجهزة الرقابية في متابعة الإنفاق، وتفعيل المساءلة على أساس النتائج.
وبينما يطرح المواطنون عبر منصات التواصل تساؤلات مشروعة حول استمرار التعيينات دون ربطها بالاحتياج الحقيقي، يرى المختصون أن الرقمنة تمثل فرصة حقيقية لتقليل البيروقراطية، شريطة معالجة تحديات البنية التحتية وتأهيل الكوادر. ويؤكد الخبراء أن المخرج الآمن يتطلب التوجه نحو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحسين بيئة الاستثمار لخلق بدائل واقعية تعيد التوازن إلى سوق العمل.
وفي الختام، تتسع الفجوة بين طموحات اليوم الوطني للوظيفة العامة وواقع المؤسسات. فبينما تظل الوظيفة العامة عنصراً أساسياً في بناء الدولة، يبقى السؤال مشرعاً: هل تستطيع الدولة الليبية تحويل هذا الجهاز الإداري من عبء اقتصادي متراكم إلى قوة إنتاجية حقيقية، أم أن التحديات الهيكلية ستظل العائق الأكبر لسنوات قادمة؟



