رأي

الوقود في ليبيا … بين الطوابير والتهريب والمواطن العالق في المنتصف

أحمد المسلاتي باحث في الشأن النفطي والاقتصادي

أزمات الوقود التي تتكرر من وقت لآخر لم تعد مجرد مشهد عابر أمام المحطات، بل أصبحت قضية تمس حياة المواطن اليومية وحركة النقل والأسعار والاقتصاد بشكل عام.

في ملف البنزين، لا يمكن تحميل المواطن البسيط مسؤولية الطوابير، فالكثير من الناس يتجهون إلى المحطات بدافع الخوف من نقص الإمدادات أو نتيجة الأخبار والشائعات التي تنتشر بسرعة، والمواطن في النهاية يحاول فقط تأمين احتياجاته اليومية في ظروف غير مستقرة.

لكن عند الحديث عن الديزل تحديدًا، تظهر صورة مختلفة تحتاج إلى وقفة حقيقية. فعندما تمتد طوابير الشاحنات لمسافات طويلة أمام بعض المحطات، فإن جزءًا معتبرًا من هذه الحركة لم يعد مرتبطًا بالاستهلاك الطبيعي فقط، بل أصبح مرتبطًا بإعادة بيع الوقود والمتاجرة به وتهريبه للاستفادة من فارق الأسعار الكبير.

ولعل ما يلفت الانتباه في كثير من هذه الطوابير هو وجود رؤوس شاحنات ومركبات مخصصة أصلًا لأعمال التعبئة والتفريغ والنقل، وتحمل خزانات ذات سعات كبيرة أُعدت لهذا الغرض، وهو ما يعكس أن جزءًا من المشهد يتجاوز الاستخدام الطبيعي إلى نشاط تجاري واضح مرتبط بحركة الوقود نفسها.

وهذا ما يفسر جزئيًا استمرار مشاهد الازدحام والطوابير رغم استمرار وصول شحنات الوقود بشكل متواصل، إذ إن جزءًا من الأزمة لا يرتبط فقط بتوفر المحروقات، بل بكيفية انسيابها ووصولها إلى المستهلك الفعلي.

وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم:
إذا كانت ظاهرة التهريب معروفة للجميع، فمن المسؤول عن الحد منها؟

لأن الحد من تهريب الوقود وتسربه إلى السوق السوداء ليس مسؤولية المواطن، ولا حتى مسؤولية المحطات وحدها، كما أنه ليس من الاختصاص المباشر للمؤسسة الوطنية للنفط أو شركة البريقة لتسويق النفط.

فدور المؤسسة الوطنية للنفط يرتبط بالإنتاج والتوريد والإشراف العام على القطاع النفطي، بينما يتركز دور شركة البريقة في استلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها على شركات التوزيع والمحطات وفق الخطط المعتمدة.

أما ما يتعلق بضبط الشاحنات ومراقبة الطرق والمنافذ وتتبع حركة الوقود بعد خروجه من المستودعات، فهو اختصاص تتحمله الأجهزة الأمنية والرقابية المختلفة، من حرس الحدود وخفر السواحل والأجهزة الجمركية ولجنة متابعة الوقود والجهات المكلفة بمتابعة حركة النقل والمنافذ، إلى جانب المتابعة الميدانية داخل المدن ومناطق التوزيع.

كما أن التعاون بين مختلف الجهات والمتابعة المستمرة لهذا الملف يظل عنصرًا مهمًا في الحد من التهريب والمحافظة على انسياب التوزيع والإمدادات بشكل طبيعي.

وفي خضم هذا الجدل، يطرح البعض فكرة رفع الدعم باعتبارها الحل الوحيد، لكن الواقع يؤكد أن معالجة التهريب، وضمان انسياب التوزيع، وتعزيز الرقابة الفعلية، وتنظيم احتياجات قطاع الكهرباء من المحروقات، وتوفير وسائل نقل جماعي حقيقية، وبناء قواعد بيانات رقمية دقيقة للمواطنين، كلها خطوات يجب أن تسبق أي حديث عن تحميل المواطن أعباء إضافية، لأن المواطن البسيط لا ينبغي أن يدفع ثمن الاختلالات القائمة أو يتحمل نتائج ممارسات يستفيد منها المهربون والسوق السوداء.

كما أن تجارب العديد من الدول أظهرت أن رفع الدعم وحده لا يعني اختفاء التهريب بشكل كامل، فحتى بعض الدول التي اتجهت إلى تقليص أو إعادة هيكلة الدعم ما تزال تواجه عمليات تهريب وتجارة غير مشروعة بالمحروقات، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قوة الرقابة والتنظيم والمتابعة الإلكترونية وتطوير منظومة النقل والتوزيع، وهو ما ساهم في الحد من الظاهرة وتقليص آثارها.

المشكلة اليوم ليست فقط في توفير الوقود، بل في ضمان وصوله بالشكل الصحيح، لأن استمرار التهريب يعني استمرار الطوابير واستنزاف الاقتصاد وإهدار كميات ضخمة من المحروقات رغم استمرار التوريدات بشكل شبه دائم.

فالمواطن اليوم لا يريد جدلًا اقتصاديًا طويلًا، بل يريد أن يرى الوقود يصل بشكل طبيعي، والطوابير تختفي، والرقابة تتحرك على الأرض قبل أن تُكتب في التقارير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى