اقتصادالرئيسيةمتابعات

حمى الأسعار تلتهم “فرحة الأضحية”.. بين غياب الدعم وتلاشي القدرة الشرائية

وداد الجعفري

مع‭ ‬حلول‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬تتجه‭ ‬الأنظارُ‭ ‬نحو‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي‭.‬الأضحية‭ ‬شعيرةٌ‭ ‬دينية‭ ‬راسخة،‭ ‬وفرحة‭ ‬منتظرة،‭ ‬تصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬مرير،‭ ‬الأسعار‭ ‬تحلق،‭ ‬وقدرة‭ ‬المواطن‭ ‬الشرائية‭ ‬تتآكل‭.‬

وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬تدور‭ ‬رحى‭ ‬أزمة‭ ‬موسمية‭ ‬أبطالها‭ ‬مواطن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬فرحة،‭ ‬ومربٍّ‭ ‬تثقله‭ ‬الديون،‭ ‬وجهات‭ ‬رقابية‭ ‬تحاول‭ ‬ضبط‭ ‬المشهد‭.‬

جولة‭ ‬سريعة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي‭ ‬تكفي‭ ‬لرصد‭ ‬ملامح‭ ‬الأزمة‭. ‬المواطن‭ ‬والمربي‭ ‬يقفان‭ ‬على‭ ‬طرفي‭ ‬نقيض‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬لكنهما‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يشتركان‭ ‬في‭ ‬المعاناة‭. ‬

أزمة‭ ‬مركبة‭ ‬تلهب‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬

خلال‭ ‬جولة‭ ‬ميدانية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المواشي،‭ ‬سادتْ‭ ‬حالةٌ‭ ‬من‭ ‬الاستياء‭ ‬الواسع‭ ‬بين‭ ‬المواطنين،‭ ‬والمربين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬أثَّر‭ ‬الارتفاعُ‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬لهذا‭ ‬العام‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أرجع‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬راجح‭ ‬أزمة‭ ‬غلاء‭ ‬المواشي‭ ‬إلى‭ ‬عاملين‭ ‬أساسيين،‭ ‬هما‭ ‬تراجع‭ ‬الدور‭ ‬الحكومي،‭ ‬وضعف‭ ‬الدعم‭ ‬المقدم‭ ‬للمربين‭.‬

وأوضح‭ ‬أنَّ‭ ‬أسعار‭ ‬الأعلاف‭ ‬قفزتْ‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬متأثرة‭ ‬بضريبة‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي،‭ ‬مما‭ ‬ضاعف‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬التربية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ .. ‬كما‭ ‬لفت‭ ‬‮«‬راجح‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬النقص‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬البيطرية،‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬شح‭ ‬الأدوية‭ ‬واللقاحات‭ ‬بأسعار‭ ‬مدعومة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التداعيات‭ ‬الكارثية‭ ‬للفيضانات‭ ‬التي‭ ‬اجتاحتْ‭ ‬شرق‭ ‬ليبيا،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬المَّمول‭ ‬الرئيس‭ ‬لأسواق‭ ‬المواشي‭ ‬محليًا،‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬تقاعس‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬تعويضات‭ ‬مجزية‭ ‬للمتضرَّرين‭ ‬ألقى‭ ‬بالعبء‭ ‬كاملاً‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬التجار‭ ‬والمربين‭. ‬

من‭ ‬جانبه،‭ ‬اعتبر‭ ‬السيد‭ ‬إسماعيل‭ ‬أبوزيد‭ ‬أن‭ ‬مربي‭ ‬الأغنام‭ ‬هو‭ ‬المتضرَّر‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭. ‬ودلَّل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بلغة‭ ‬الأرقام،‭ ‬مبينًا‭ ‬أن‭ ‬تكلفة‭ ‬قنطار‭ ‬الأعلاف‭ ‬بلغت‭ ‬300‭ ‬دينار،‭ ‬وربطة‭ ‬‮«‬البرسيم‮»‬‭ ‬46‭ ‬دينارًا،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تضخم‭ ‬أجور‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬800‭ ‬و900‭ ‬دينار‭ ‬شهرياً‭.‬

وأكد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬الباهظة‭ ‬انعكستْ‭ ‬بظلالها‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬الأضحية،‭ ‬الذي‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬1800‭ ‬و2000‭ ‬دينار،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬الطلب‭ ‬تزامنًا‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موسم‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭. ‬

بدوره‭ ‬شدَّد‭ ‬السيد‭ ‬سالم‭ ‬عبد‭ ‬الستار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬تقلبات‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬الدولار‭ ‬طالتْ‭ ‬شررها‭ ‬الجميع؛‭ )‬مواطناً،‭ ‬وتاجراً،‭ ‬ومربياً‭(‬،‭ ‬لتتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تمس‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭. ‬

واقع‭ ‬أسواق‭ ‬العرض

أعباء‭ ‬وغياب‭ ‬للخدمات‭ ‬الأساسية

خلال‭ ‬جولتنا‭ ‬داخل‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬الثلاثاء‮»‬‭ ‬بطرابلس،‭ ‬رصدتْ‭ ‬عدستنا‭ ‬ملامح‭ ‬أخرى‭ ‬لمعاناة‭ ‬التجار‭ ‬والمربين‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬الليبية؛‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬السيد‭ ‬حسين‭ ‬الفيتوري‭ )‬مربي‭ ‬مواشٍ‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬زليتن‭(‬‭ ‬أن‭ ‬القفزات‭ ‬السعرية‭ ‬للأضاحي‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬بالارتفاع‭ ‬المضاعف‭ ‬لأسعار‭ ‬الأعلاف‭ ‬والشعير‭ ‬والقضب‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأعوام‭ ‬السابقة؛‭ ‬إذ‭ ‬قفز‭ ‬سعر‭ ‬قنطار‭ ‬الشعير‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬دينارًا‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬300‭ ‬دينار‭ ‬حالياً‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬أعباء‭ ‬المربين‭ ‬عند‭ ‬غلاء‭ ‬الأعلاف،‭ ‬بل‭ ‬تعدتها‭ ‬إلى‭ ‬رداءة‭ ‬البيئة‭ ‬الخدمية‭ ‬داخل‭ ‬السوق؛‭ ‬حيث‭ ‬يضطر‭ ‬التجار‭ ‬لبناء‭ ‬حظائرهم‭ ‬‮«‬الزرايب‮»‬‭ ‬وتجهيز‭ ‬خيامهم‭ ‬بجهودهم‭ ‬الذاتية،‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬تام‭ ‬للمرافق‭ ‬الخدمية‭ ‬الأساسية‭ ‬كشبكات‭ ‬المياه‭ ‬ودورات‭ ‬المياه،‭ ‬واضطرارهم‭ ‬للتنقل‭ ‬بالسيارات‭ ‬بحثًا‭ ‬عنها‭ ‬بعد‭ ‬إغلاق‭ ‬المسجد‭ ‬القريب‭.‬

وانتقد‭ ‬الفيتوري‭ ‬الشائعات‭ ‬المتداولة‭ ‬بشأن‭ ‬اعتزام‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬أرضية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬2000‭ ‬دينار‭ ‬لعشرة‭ ‬أيام،‭ ‬واصفًا‭ ‬إياها‭ ‬بالمجحفة‭ ‬والمبالغ‭ ‬فيها‭ ‬إن‭ ‬طبقت‭.‬

مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬تكبده‭ ‬500‭ ‬دينار‭ ‬إضافية‭ ‬كأجور‭ ‬لنقل‭ ‬المواشي‭ ‬من‭ ‬زليتن‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬أعرب‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬فتحي‭ – ‬تاجر‭ ‬مواشي‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬العجيلات‭-‬  ‬عن‭ ‬استيائه‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬تنظيم‭ ‬السوق‭ ‬والظروف‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬يجابهونها،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬المربين‭ ‬يقعون‭ ‬ضحية‭ ‬استغلال‭ ‬موسمي‭ ‬حاد‭ ‬يضاعف‭ ‬كاهل‭ ‬مصاريفهم؛‭ ‬إذ‭ ‬ارتفعت‭ ‬إيجارات‭ ‬خيام‭ ‬المبيت‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬إلى‭ ‬300‭ ‬دينار،‭ ‬وتضاعفت‭ ‬أسعار‭ ‬شاحنات‭ ‬مياه‭ ‬شرب‭ ‬الأضاحي‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬50‭ ‬دينارًا‭ ‬للخزان‭ ‬الصغير،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تصاعد‭ ‬أجور‭ ‬الرعاة‭ ‬لتتراوح‭ ‬بين‭ ‬1000‭ ‬و1400‭ ‬دينار‭ ‬شهرياً‭ ‬شاملة‭ )‬الإعاشة‭ ‬والملبس‭( ‬لضمان‭ ‬استمرارهم‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

كما‭ ‬تطرق‭ ‬فتحي‭ ‬إلى‭ ‬الأعباء‭ ‬الباهظة‭ ‬لنقل‭ ‬الأضاحي‭ ‬من‭ ‬مدينتي‭ ‬العجيلات‭ ‬وبني‭ ‬وليد‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬والتي‭ ‬بلغت‭ ‬1300‭ ‬دينار‭ ‬للشحنة‭ ‬الواحدة،‭ ‬محذرًا‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬إصابة،‭ ‬أو‭ ‬كسر‭ ‬أي‭ ‬رأس‭ ‬من‭ ‬الماشية‭ ‬أثناء‭ ‬النقل،‭ ‬مما‭ ‬يحرمها‭ ‬من‭ ‬أهليتها‭ ‬الشرعية‭ ‬كأضحية‭ ‬ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬خسارة‭ ‬مالية‭ ‬كاملة‭ ‬يتحملها‭ ‬التاجر‭ ‬وحده،‭ ‬واختتم‭ ‬حديثه‭ ‬بالشكوى‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬النظافة‭ ‬وإثارة‭ ‬الأتربة‭ ‬داخل‭ ‬السوق،‭ ‬مطالباً‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬برش‭ ‬الأرضيات‭ ‬بالمياه‭ ‬بانتظام‭ ‬وتوفير‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬اللائقة‭ ‬للتخفيف‭ ‬عن‭ ‬مربين‭ ‬يبيتون‭ ‬في‭ ‬العراء‭.‬

جهود‭ ‬رقابية‭ ‬مكثفة

للمركز‭ ‬الوطني‭ ‬للصحة‭ ‬الحيوانية‭ ‬

استكمالاً‭ ‬لجولتنا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬للصحة‭ ‬الحيوانية؛‭ ‬حيث‭ ‬التقينا‭ ‬د‭.‬زايد‭ ‬المجذوبي‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬التنظيمي‭ ‬والرقابي‭ ‬الذي‭ ‬يضطلع‭ ‬به‭ ‬المركز‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬أكد‭ ‬د‭.‬المجذوبي‭ ‬أن‭ ‬المركز‭ ‬يُسيّر‭ ‬سنوياً‭ ‬فرقًا‭ ‬فنية‭ ‬متخصصة‭ ‬للإشراف‭ ‬الميداني‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬بيع‭ ‬الأغنام‭. ‬وتتولى‭ ‬هذه‭ ‬الفرق‭ ‬توقيع‭ ‬الكشف‭ ‬الطبي‭ ‬الدقيق‭ ‬على‭ ‬الأضاحي‭ ‬قبل‭ ‬الذبح‭ ‬وبعده؛‭ ‬كخطوة‭ ‬استباقية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬للمواطنين‭. ‬

أمراض‭ ‬شائعة‭ ‬تحت‭ ‬المجهر‭ ‬

وشدَّد‭ ‬الدكتور‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الفحص‭ ‬البيطري‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬سلامة‭ ‬الأضحية‭ ‬وتجنب‭ ‬بعض‭ ‬الأمراض‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُصيبها،‭ ‬محذرًا‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬أمراض‭ ‬رئيسة‭ ‬تخضع‭ ‬لرقابة‭ ‬المركز،‭ ‬ومنها‭: ‬مرض‭ ‬‮«‬الصفير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تظهر‭ ‬أعراضه‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الحيوان،‭ ‬السل‭ ‬الكاذب‭ ‬ويتركز‭ ‬ظهوره‭ ‬غالباً‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الكتف‭ ‬الأمامي،‭ ‬الأمراض‭ ‬الفيروسية‭ ‬المُعدية‭: ‬مثل‭ ‬داء‭ ‬‮«‬الحمى‭ ‬القلاعية‮»‬‭. ‬

وتطرق‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬المجذوبي‭ ‬إلى‭ ‬مبادرة‭ ‬الــ‮«‬100‭ ‬يوم‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة،‭ ‬وهي‭ ‬خطة‭ ‬عمل‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬إتمام‭ ‬شعيرة‭ ‬النحر،‭ ‬تتضافر‭ ‬فيها‭ ‬الجهود‭ ‬من‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬بتنفيذ‭ ‬حملات‭ ‬رقابية‭ ‬لمتابعة‭ ‬الحالة‭ ‬الصحية‭ ‬للأضاحي‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬بالتعاون‭ ‬الوثيق‭ ‬مع‭ ‬الشرطة‭ ‬الزراعية‭. ‬

فقه‭ ‬الأضحية‭..‬بين‭ ‬مقاصد‭ ‬الشرع‭ ‬وآفة‭ ‬التفاخر‭ ‬

ولتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الفقهي‭ ‬وما‭ ‬يهم‭ ‬المسلم‭ ‬من‭ ‬أحكام‭ ‬متعلقة‭ ‬بشعيرة‭ ‬الأضحية،‭ ‬التقينا‭ ‬فضيلة‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بلقاسم‭ ‬الربو،‭ ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬أبرز‭ ‬التساؤلات‭ ‬الشائعة‭ ‬التي‭ ‬تتبادر‭ ‬إلى‭ ‬أذهان‭ ‬المواطنين‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭. ‬

وفي‭ ‬معرض‭ ‬إجابته‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جواز‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬الأضحية،‭ ‬أوضح‭ ‬الشيخ‭ ‬قاعدة‭ ‬فقهية‭ ‬مهمة،‭ ‬وهي‭ ‬جواز‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬‮«‬الأجر‮»‬،‭ ‬وعدم‭ ‬جواز‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬‮«‬الثمن‮»‬‭. ‬وبيّن‭ ‬أنه‭ ‬يُشترط‭ ‬لصحة‭ ‬الأضحية‭ ‬‮«‬في‭ ‬صنف‭ ‬الغنم‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يتكفل‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬بشرائها‭ ‬ودفع‭ ‬ثمنها‭ ‬بالكامل،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يُشرك‭ ‬غيره‭ ‬في‭ ‬ثوابها‭. ‬ولتبسيط‭ ‬المسألة،‭ ‬ضرب‭ ‬فضيلته‭ ‬مثالاً‭ ‬توضيحياً‭ ‬بأسرة‭ ‬تضم‭ ‬خمسة‭ ‬أشقاء‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬الأضحية؛‭ ‬حيث‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬أحدهم‭ ‬الأضحية‭ ‬من‭ ‬حر‭ ‬ماله‭ ‬وينوي‭ ‬إشراك‭ ‬إخوته‭ ‬في‭ ‬أجرها،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬شرعاً‭ ‬أن‭ ‬يجمعوا‭ ‬ثمنها‭ ‬بتقسيم‭ ‬المبلغ‭ ‬عليهم‭ ‬لشراء‭ ‬أضحية‭ ‬واحدة‭ ‬يتقاسمونها‭. ‬

وحول‭ ‬تساؤل‭ ‬البعض‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬الاستعاضة‭ ‬عن‭ ‬ذبح‭ ‬الأضحية‭ ‬بشراء‭ ‬اللحم‭ ‬من‭ ‬الجزار‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غلاء‭ ‬الأسعار،‭ ‬أكد‭ ‬الشيخ‭ ‬الربو‭ ‬أن‭ ‬الأضحية‭ ‬‮«‬سُنة‭ ‬مؤكدة‮»‬‭ ‬ماضية‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬خليل‭ ‬الرحمن‭ ‬إبراهيم‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭-‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬نبينا‭ ‬محمد‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭-‬،‭ ‬وهي‭ ‬شعيرة‭ ‬يُثاب‭ ‬فاعلها،‭ ‬ولا‭ ‬يُعاقب‭ ‬تاركها‭. ‬وأوضح‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أقام‭ ‬هذه‭ ‬الشعيرة‭ ‬بنية‭ ‬الاقتداء‭ ‬والتقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬نال‭ ‬عظيم‭ ‬الأجر‭ ‬والثواب،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬حالت‭ ‬ظروفه‭ ‬المادية‭ ‬دون‭ ‬شرائها‭ ‬فقد‭ ‬سقطتْ‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬إثم‭ ‬عليه‭ ‬البتة‭. ‬وشدد‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬حديثه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬شراء‭ ‬اللحم‭ ‬الجاهز،‭ ‬مهما‭ ‬بلغتْ‭ ‬كميته،‭ ‬لا‭ ‬يُجزئ‭ ‬عن‭ ‬الأضحية‭ ‬ولا‭ ‬يُعد‭ ‬بديلاً‭ ‬شرعياً‭ ‬لها؛‭ ‬لأن‭ ‬المقصد‭ ‬الشرعي‭ ‬والشرط‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الشعيرة‭ ‬هو‭ ‬‮«‬إراقة‭ ‬الدم‮»‬‭. ‬

تطرق‭ ‬الشيخ‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬التباهي‭ ‬بأسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬وأحجامها،‭ ‬مشدداً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬تمس‭ ‬صُلب‭ ‬‮«‬الإخلاص‮»‬‭ ‬لله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬وهو‭ ‬الشرط‭ ‬الذي‭ ‬قرن‭ ‬به‭ ‬الخالق‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬قَبول‭ ‬سائر‭ ‬العبادات‭. ‬وبيّن‭ ‬فضيلته‭ ‬أن‭ ‬الإخلاص‭ ‬هو‭ ‬روح‭ ‬العبادة‭. ‬

موضحًا‭ ‬ذلك‭ ‬بمثال‭ ‬جليّ‭ ‬حول‭ ‬‮«‬كلمة‭ ‬التوحيد‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬مفتاح‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬الإسلام؛‭ ‬فلو‭ ‬نطق‭ ‬بها‭ ‬المنافق‭ ‬بلسانه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعقد‭ ‬عليها‭ ‬قلبه‭ ‬المخلص،‭ ‬لكانت‭ ‬مردودة‭ ‬عليه‭. ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬سائر‭ ‬العبادات،‭ ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬الشيخ‭:‬‭ ‬‮«‬فمن‭ ‬يصلي‭ ‬ليراه‭ ‬النَّاس،‭ ‬أو‭ ‬يتصدق‭ ‬ليُقال‭ ‬عنه‭ ‬كريم،‭ ‬أو‭ ‬يحج‭ ‬ليُلقب‭ ‬بالحاج؛‭ ‬فقد‭ ‬أحبط‭ ‬عمله‭ ‬وضيع‭ ‬أجره‭ ‬بغياب‭ ‬الإخلاص‮»‬‭. ‬

وينطبق‭ ‬هذا‭ ‬المعيار‭ ‬تمامًا‭ ‬على‭ ‬شعيرة‭ ‬الأضحية؛‭ ‬فهي‭ ‬قُربة‭ ‬خالصة‭ ‬لله،‭ ‬فإن‭ ‬خالطتها‭ ‬شائبة‭ ‬الرياء‭ ‬والتفاخر،‭ ‬رُدتْ‭ ‬على‭ ‬صاحبها‭ ‬وفقدتْ‭ ‬قيمتها‭ ‬الروحية‭. ‬وأبدى‭ ‬الشيخ‭ ‬أسفه‭ ‬إزاء‭ ‬تعامل‭ ‬بعض‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬مع‭ ‬الأضحية‭ ‬وكأنها‭ ‬‮«‬مضمار‭ ‬للتباهي‮»‬‭ ‬واستعراض‭ ‬القدرات‭ ‬المالية،‭ ‬واصفًا‭ ‬إياها‭ ‬بالظاهرة‭ ‬المتفشية‭ ‬التي‭ ‬تتنافى‭ ‬كليًا‭ ‬مع‭ ‬مقاصد‭ ‬الشرع‭ ‬الحنيف‭ ‬وقيم‭ ‬المجتمع‭ ‬الأصيلة‭. ‬وحذَّر‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الخطيرة‭ ‬للتفاخر‭ ‬بالأضاحي‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬الفقراء‭ ‬والمحتاجين‭ ‬ومن‭ ‬ضاقتْ‭ ‬بهم‭ ‬الُسبل‭ ‬لشرائها،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أبسط‭ ‬قواعد‭ ‬المراعاة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويُذكي‭ ‬مشاعر‭ ‬الضغينة‭ ‬والحسد‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬التكافل‭ ‬والمرحمة‭. ‬

وتتويجاً‭ ‬لحديثه،‭ ‬استشهد‭ ‬الشيخ‭ ‬بلقاسم‭ ‬الربو‭ ‬بالآية‭ ‬الكريمة‭: )‬لَن‭ ‬يَنَالَ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬لُحُومُهَا‭ ‬وَلَا‭ ‬دِمَاؤُهَا‭ ‬وَلَٰكِن‭ ‬يَنَالُهُ‭ ‬التَّقْوَىٰ‭ ‬مِنكُمْ‭(‬،‭ ‬ليؤكد‭ ‬إقراراً‭ ‬قاطعاً‭ ‬بأن‭ ‬المقياس‭ ‬الرباني‭ ‬لقَبول‭ ‬الأضحية‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬غلاء‭ ‬ثمنها،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬ضخامة‭ ‬حجمها‭ ‬ووفرة‭ ‬لحمها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬‮«‬التقوى‮»‬‭ ‬المترسخة‭ ‬في‭ ‬القلب‭. ‬واختتم‭ ‬حديثه‭ ‬بلمسة‭ ‬إيمانية‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬إنّ‭ ‬أضحية‭ ‬متواضعة‭ ‬تُذبَحُ‭ ‬بقلب‭ ‬مخلص‭ ‬لله،‭ ‬هي‭ ‬عند‭ ‬الخالق‭ ‬أعظم‭ ‬قدرًا‭ ‬وأرفع‭ ‬شأنًا‭ ‬من‭ ‬أضحية‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬نُحرت‭ ‬بسكين‭ ‬الرياء‮»‬،‭ ‬محذرًا‭ ‬من‭ ‬الانجراف‭ ‬وراء‭ ‬المظاهر‭ ‬الجوفاء‭ ‬التي‭ ‬تسلب‭ ‬العبادات‭ ‬معناها‭ ‬الحقيقي‭ ‬وجوهرها‭ ‬الرباني‭. ‬

بين‭ ‬الشعيرة‭ ‬والواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬

ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يظل‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬المبارك‭ ‬مناسبة‭ ‬دينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ذات‭ ‬مكانة‭ ‬عظيمة،‭ ‬يحرص‭ ‬المواطنون‭ ‬بشغف‭ ‬على‭ ‬إحيائها‭ ‬والتمسك‭ ‬بروحانياتها‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة،‭ ‬تتعالى‭ ‬المطالبات‭ ‬المُلحة‭ ‬بضرورة‭ ‬التدخل‭ ‬العاجل‭ ‬والجاد‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬قطاع‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية‭ ‬من‭ ‬أزمته،‭ ‬ويتمثل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬دعم‭ ‬حقيقي‭ ‬للمربين،‭ ‬وتوفير‭ ‬الأعلاف‭ ‬والأدوية‭ ‬البيطرية‭ ‬بأسعار‭ ‬مدعومة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬الأسعار‭ ‬المنفلتة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وتجهيز‭ ‬المرافق‭ ‬اللوجستية‭ ‬اللائقة‭ ‬بها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى