
مع حلول عيد الأضحى، تتجه الأنظارُ نحو أسواق المواشي.الأضحية شعيرةٌ دينية راسخة، وفرحة منتظرة، تصطدم بواقع اقتصادي مرير، الأسعار تحلق، وقدرة المواطن الشرائية تتآكل.
وبين هذا وذاك، تدور رحى أزمة موسمية أبطالها مواطن يبحث عن فرحة، ومربٍّ تثقله الديون، وجهات رقابية تحاول ضبط المشهد.
جولة سريعة في أسواق المواشي تكفي لرصد ملامح الأزمة. المواطن والمربي يقفان على طرفي نقيض في الظاهر، لكنهما في الحقيقة يشتركان في المعاناة.
أزمة مركبة تلهب أسعار الأضاحي
خلال جولة ميدانية في أسواق المواشي، سادتْ حالةٌ من الاستياء الواسع بين المواطنين، والمربين على حد سواء، أثَّر الارتفاعُ غير المسبوق في أسعار الأضاحي لهذا العام.
في هذا السياق، أرجع السيد علي راجح أزمة غلاء المواشي إلى عاملين أساسيين، هما تراجع الدور الحكومي، وضعف الدعم المقدم للمربين.
وأوضح أنَّ أسعار الأعلاف قفزتْ إلى مستويات قياسية متأثرة بضريبة النقد الأجنبي التي فرضها المصرف المركزي، مما ضاعف من تكاليف التربية بشكل عام .. كما لفت «راجح» إلى النقص الحاد في الرعاية البيطرية، المتمثل في شح الأدوية واللقاحات بأسعار مدعومة، فضلاً عن التداعيات الكارثية للفيضانات التي اجتاحتْ شرق ليبيا، الذي يُعد المَّمول الرئيس لأسواق المواشي محليًا، وأكد أن تقاعس الجهات الرسمية عن تقديم تعويضات مجزية للمتضرَّرين ألقى بالعبء كاملاً على كاهل التجار والمربين.
من جانبه، اعتبر السيد إسماعيل أبوزيد أن مربي الأغنام هو المتضرَّر الأول من هذه الأزمة. ودلَّل على ذلك بلغة الأرقام، مبينًا أن تكلفة قنطار الأعلاف بلغت 300 دينار، وربطة «البرسيم» 46 دينارًا، ناهيك عن تضخم أجور العمالة الوافدة التي باتت تتراوح بين 800 و900 دينار شهرياً.
وأكد أنَّ هذه التكاليف الباهظة انعكستْ بظلالها مباشرة على سعر الأضحية، الذي تراوح بين 1800 و2000 دينار، لا سيما مع تنامي الطلب تزامنًا مع اقتراب موسم عيد الأضحى.
بدوره شدَّد السيد سالم عبد الستار على أن أزمة تقلبات سعر صرف الدولار طالتْ شررها الجميع؛ )مواطناً، وتاجراً، ومربياً(، لتتحوَّل إلى أزمة اقتصادية تمس مختلف فئات المجتمع.
واقع أسواق العرض
أعباء وغياب للخدمات الأساسية
خلال جولتنا داخل «سوق الثلاثاء» بطرابلس، رصدتْ عدستنا ملامح أخرى لمعاناة التجار والمربين القادمين من مختلف المدن الليبية؛ حيث أكد السيد حسين الفيتوري )مربي مواشٍ قادم من مدينة زليتن( أن القفزات السعرية للأضاحي مدفوعة بالدرجة الأولى بالارتفاع المضاعف لأسعار الأعلاف والشعير والقضب مقارنة بالأعوام السابقة؛ إذ قفز سعر قنطار الشعير من 150 دينارًا العام الماضي إلى ما يزيد عن 300 دينار حالياً.
ولم تتوقف أعباء المربين عند غلاء الأعلاف، بل تعدتها إلى رداءة البيئة الخدمية داخل السوق؛ حيث يضطر التجار لبناء حظائرهم «الزرايب» وتجهيز خيامهم بجهودهم الذاتية، وسط غياب تام للمرافق الخدمية الأساسية كشبكات المياه ودورات المياه، واضطرارهم للتنقل بالسيارات بحثًا عنها بعد إغلاق المسجد القريب.
وانتقد الفيتوري الشائعات المتداولة بشأن اعتزام الجهات التنظيمية فرض رسوم أرضية تصل إلى 2000 دينار لعشرة أيام، واصفًا إياها بالمجحفة والمبالغ فيها إن طبقت.
مشيراً إلى تكبده 500 دينار إضافية كأجور لنقل المواشي من زليتن إلى طرابلس.
وفي السياق ذاته، أعرب السيد محمد فتحي – تاجر مواشي قادم من العجيلات- عن استيائه البالغ من سوء تنظيم السوق والظروف القاسية التي يجابهونها، مؤكداً أن المربين يقعون ضحية استغلال موسمي حاد يضاعف كاهل مصاريفهم؛ إذ ارتفعت إيجارات خيام المبيت من 100 إلى 300 دينار، وتضاعفت أسعار شاحنات مياه شرب الأضاحي لتصل إلى 50 دينارًا للخزان الصغير، فضلاً عن تصاعد أجور الرعاة لتتراوح بين 1000 و1400 دينار شهرياً شاملة )الإعاشة والملبس( لضمان استمرارهم في العمل.
كما تطرق فتحي إلى الأعباء الباهظة لنقل الأضاحي من مدينتي العجيلات وبني وليد إلى طرابلس والتي بلغت 1300 دينار للشحنة الواحدة، محذرًا من الخسائر الفادحة الناجمة عن إصابة، أو كسر أي رأس من الماشية أثناء النقل، مما يحرمها من أهليتها الشرعية كأضحية ويحولها إلى خسارة مالية كاملة يتحملها التاجر وحده، واختتم حديثه بالشكوى من انعدام النظافة وإثارة الأتربة داخل السوق، مطالباً الجهات المعنية برش الأرضيات بالمياه بانتظام وتوفير الخدمات اللوجستية اللائقة للتخفيف عن مربين يبيتون في العراء.
جهود رقابية مكثفة
للمركز الوطني للصحة الحيوانية
استكمالاً لجولتنا انتقلنا إلى المركز الوطني للصحة الحيوانية؛ حيث التقينا د.زايد المجذوبي للوقوف على الدور التنظيمي والرقابي الذي يضطلع به المركز خلال هذه الفترة، أكد د.المجذوبي أن المركز يُسيّر سنوياً فرقًا فنية متخصصة للإشراف الميداني على أسواق بيع الأغنام. وتتولى هذه الفرق توقيع الكشف الطبي الدقيق على الأضاحي قبل الذبح وبعده؛ كخطوة استباقية للحفاظ على الصحة العامة للمواطنين.
أمراض شائعة تحت المجهر
وشدَّد الدكتور على أهمية الفحص البيطري للتأكد من سلامة الأضحية وتجنب بعض الأمراض التي قد تُصيبها، محذرًا من عدة أمراض رئيسة تخضع لرقابة المركز، ومنها: مرض «الصفير» الذي تظهر أعراضه بوضوح في عيون الحيوان، السل الكاذب ويتركز ظهوره غالباً في منطقة الكتف الأمامي، الأمراض الفيروسية المُعدية: مثل داء «الحمى القلاعية».
وتطرق الحديث مع المجذوبي إلى مبادرة الــ«100 يوم» التي أطلقتها وزارة الزراعة، وهي خطة عمل مستمرة حتى إتمام شعيرة النحر، تتضافر فيها الجهود من الأطراف المعنية بتنفيذ حملات رقابية لمتابعة الحالة الصحية للأضاحي داخل الأسواق بالتعاون الوثيق مع الشرطة الزراعية.
فقه الأضحية..بين مقاصد الشرع وآفة التفاخر
ولتسليط الضوء على الجانب الفقهي وما يهم المسلم من أحكام متعلقة بشعيرة الأضحية، التقينا فضيلة الشيخ محمد بلقاسم الربو، الذي تولى الإجابة عن أبرز التساؤلات الشائعة التي تتبادر إلى أذهان المواطنين خلال هذا الموسم.
وفي معرض إجابته عن سؤال حول مدى جواز الاشتراك في الأضحية، أوضح الشيخ قاعدة فقهية مهمة، وهي جواز الاشتراك في «الأجر»، وعدم جواز الاشتراك في «الثمن». وبيّن أنه يُشترط لصحة الأضحية «في صنف الغنم» أن يتكفل شخص واحد بشرائها ودفع ثمنها بالكامل، ومن ثم يحق له أن يُشرك غيره في ثوابها. ولتبسيط المسألة، ضرب فضيلته مثالاً توضيحياً بأسرة تضم خمسة أشقاء يرغبون في الأضحية؛ حيث يجوز أن يشتري أحدهم الأضحية من حر ماله وينوي إشراك إخوته في أجرها، بينما لا يجوز شرعاً أن يجمعوا ثمنها بتقسيم المبلغ عليهم لشراء أضحية واحدة يتقاسمونها.
وحول تساؤل البعض عن إمكانية الاستعاضة عن ذبح الأضحية بشراء اللحم من الجزار في ظل غلاء الأسعار، أكد الشيخ الربو أن الأضحية «سُنة مؤكدة» ماضية منذ عهد خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام-وصولاً إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهي شعيرة يُثاب فاعلها، ولا يُعاقب تاركها. وأوضح أن من أقام هذه الشعيرة بنية الاقتداء والتقرب إلى الله نال عظيم الأجر والثواب، أما من حالت ظروفه المادية دون شرائها فقد سقطتْ عنه ولا إثم عليه البتة. وشدد في ختام حديثه على أن شراء اللحم الجاهز، مهما بلغتْ كميته، لا يُجزئ عن الأضحية ولا يُعد بديلاً شرعياً لها؛ لأن المقصد الشرعي والشرط الأساسي في هذه الشعيرة هو «إراقة الدم».
تطرق الشيخ أيضاً إلى ظاهرة التباهي بأسعار الأضاحي وأحجامها، مشدداً على أن هذه المسألة تمس صُلب «الإخلاص» لله سبحانه وتعالى، وهو الشرط الذي قرن به الخالق عز وجل قَبول سائر العبادات. وبيّن فضيلته أن الإخلاص هو روح العبادة.
موضحًا ذلك بمثال جليّ حول «كلمة التوحيد» التي تُعد مفتاح الدخول في الإسلام؛ فلو نطق بها المنافق بلسانه دون أن يعقد عليها قلبه المخلص، لكانت مردودة عليه. وقس على ذلك سائر العبادات، كما يوضح الشيخ: «فمن يصلي ليراه النَّاس، أو يتصدق ليُقال عنه كريم، أو يحج ليُلقب بالحاج؛ فقد أحبط عمله وضيع أجره بغياب الإخلاص».
وينطبق هذا المعيار تمامًا على شعيرة الأضحية؛ فهي قُربة خالصة لله، فإن خالطتها شائبة الرياء والتفاخر، رُدتْ على صاحبها وفقدتْ قيمتها الروحية. وأبدى الشيخ أسفه إزاء تعامل بعض أفراد المجتمع مع الأضحية وكأنها «مضمار للتباهي» واستعراض القدرات المالية، واصفًا إياها بالظاهرة المتفشية التي تتنافى كليًا مع مقاصد الشرع الحنيف وقيم المجتمع الأصيلة. وحذَّر من التداعيات الاجتماعية الخطيرة للتفاخر بالأضاحي أمام أعين الفقراء والمحتاجين ومن ضاقتْ بهم الُسبل لشرائها، مؤكدًا أن هذا السلوك يفتقر إلى أبسط قواعد المراعاة الإنسانية، ويُذكي مشاعر الضغينة والحسد في النفوس بدلاً من تعزيز التكافل والمرحمة.
وتتويجاً لحديثه، استشهد الشيخ بلقاسم الربو بالآية الكريمة: )لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ(، ليؤكد إقراراً قاطعاً بأن المقياس الرباني لقَبول الأضحية ليس في غلاء ثمنها، ولا في ضخامة حجمها ووفرة لحمها، بل في «التقوى» المترسخة في القلب. واختتم حديثه بلمسة إيمانية قائلاً: «إنّ أضحية متواضعة تُذبَحُ بقلب مخلص لله، هي عند الخالق أعظم قدرًا وأرفع شأنًا من أضحية باهظة الثمن نُحرت بسكين الرياء»، محذرًا من الانجراف وراء المظاهر الجوفاء التي تسلب العبادات معناها الحقيقي وجوهرها الرباني.
بين الشعيرة والواقع الاقتصادي
ورغم قسوة التحديات الاقتصادية، يظل عيد الأضحى المبارك مناسبة دينية واجتماعية ذات مكانة عظيمة، يحرص المواطنون بشغف على إحيائها والتمسك بروحانياتها.
وفي خضم هذه المعاناة، تتعالى المطالبات المُلحة بضرورة التدخل العاجل والجاد من قِبل الجهات المعنية لإنقاذ قطاع الثروة الحيوانية من أزمته، ويتمثل ذلك في تقديم دعم حقيقي للمربين، وتوفير الأعلاف والأدوية البيطرية بأسعار مدعومة، فضلاً عن كبح جماح الأسعار المنفلتة في الأسواق وتجهيز المرافق اللوجستية اللائقة بها.



