حين يختزل الوطن في « فيسبوك» من يكتب ذاكرة ليبيا ؟

في لحظةٍ بدتْ عابرة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة في مضمونها، طُرحَ سؤالٌ بسيط من رئيس الحكومة في اليوم الوطني للمرأة: هل ما تزال هناك صُحف تصدر ؟!.
سؤالٌ لم يكن عاديًا بقدر ما كشف عن فجوة حقيقية بين صانع القرار، ومشهد إعلامي يكافح بصمتٍ كي يبقى حيّا.
في تلك اللحظة، لم يكن أمامي سوى أن أستحضر ما تبقى من ملامح الصحافة الورقية، والإلكترونية في بلادنا فتحتُ على عجل صحيفة )فبراير(، واستحضرتُ اسم صحيفة )الصباح(، وأشرتُ إلى محاولات الاستمرار عبر المنصات الرقمية. كان الرد صادمًا ومختصرًا: )الأخبار كلها في الفيس(.
هنا، لا يمكن التعامل مع العبارة باعتبارها توصيفًا بريئًا للواقع، بل هي إعلانٌ غير مباشر عن سقوط الاعتراف المؤسسي بالصحافة كركيزة من ركائز الدولة.
نعم، «فيسبوك» حاضر، بل ومهيمن، لكنه فضاء مفتوح لا يُنتج صحافة بقدر ما يُنتج تدفقًا غير منضبط للمعلومة؛ حيث تختلط الحقيقة بالإشاعة، والرأي بالخبر، دون معيار، أو مساءلة.
مداخلة زميلتي فتحية الجديدي كانت دقيقة حين قالتْ إنّ الصحافة تحتاج إلى التوثيق للأجيال القادمة. فالدول لا تُبنى فقط بالمشاريع والقرارات، بل تُبنى أيضًا بالأرشيف، بالذاكرة المكتوبة، بالسرد الذي يُحفظ لا الذي يضيع في خوارزميات منصات عابرة.
أما مداخلتي، فكانت مباشرة: نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب دعمًا لوجستيًا. دعمًا يُمكّن الصحف من الطباعة، من التوزيع، من الاستمرار. لكن قبل أن تكتمل الفكرة، قُطع الحديث، وتلاشى النقاش، وكأنّ ما طُرحَ لا يستحق التوقف عنده.
ما حدث ليس مجرد موقف شخصي، بل صورة مكثفة عن واقع أوسع: الصحافة في ليبيا تُترك لتصارع وحدها، بلا دعم، بلا رؤية، بلا اعتراف حقيقي بدورها.
في المقابل يُعاد إنتاج فكرة أن «السوشيال ميديا تكفي»، وكأن الدول يمكن أن تُدار بمنشورات، أو تُحفظ ذاكرتها بـ«بوستات» قابلة للحذف في أي لحظة.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرحَ اليوم ليس: هل هناك صحف؟ بل: هل هناك إرادة لبقاء الصحافة؟.
لأن غياب الصحافة ليس مجرد غياب ورق أو مواقع إلكترونية، بل هو غياب للوعي، وفتحٌ واسع لباب الفوضى المعلوماتية. وحين تختفي الصحف، لا يختفي الخبر فقط، بل تختفي الحقيقة نفسها.
ما جرى في تلك اللحظة يجب ألا يُمر مرور الكرام إنه جرس إنذار واضح: إما أن تُعاد للصحافة مكانتها كسلطة معرفة ورقابة وتوثيق، أو أن نُسلّم بأننا نعيش زمنًا تُكتب فيه الأخبار سريعًا، وتُنسى أسرع.

