رأي

شوارع الدهشة والقلوب الأقرب

مفتاح ميلود

قبل‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬كان‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬العيد‭ ‬ذاك‭ ‬الإحساس‭ ‬العميق‭ ‬بالألفة‭ ‬الذي‭ ‬يملأ‭ ‬الأرواح‭ ‬قبل‭ ‬البيوت،‭ ‬كان‭ ‬للملابس‭ ‬الجديدة‭ ‬رونقها،‭ ‬ولعيدية‭ ‬الحلوى‭ ‬مذاقها‭ ‬الخاص‭. ‬كانت‭ ‬المدن‭ ‬أصغر،‭ ‬والقلوب‭ ‬أقرب،‭ ‬والناس‭ ‬تعرف‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضاً،‭ ‬فالحي‭ ‬بأكمله‭ ‬كان‭ ‬يتقاسم‭ ‬فرحة‭ ‬العيد‭ ‬معاً‭.‬

كنا‭ ‬أطفالاً‭ ‬نجوب‭ ‬الحي‭ ‬كله‭ ‬دون‭ ‬خوف،‭ ‬نُقبّل‭ ‬رؤوس‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬وجل،‭ ‬ونركض‭ ‬خلف‭ ‬ضحكاتنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬صباحات‭ ‬عابقة‭ ‬برائحة‭ ‬الشواء‭. ‬كنا‭ ‬نرى‭ ‬أبواب‭ ‬البيوت‭ ‬تُترك‭ ‬نصف‭ ‬مفتوحة،‭ ‬والضيوف‭ ‬يدخلون‭ ‬بلا‭ ‬تكلف،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الفرح‭ ‬يُصنع‭ ‬من‭ ‬أشياء‭ ‬صغيرة‭ ‬بسيطة‭.‬

وحين‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬عاشوا‭ ‬ذاك‭ ‬الزمن‭ ‬بذاكرتهم‭ ‬إلى‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬يحنّون‭ ‬إلى‭ ‬النسخةِ‭ ‬الأبسط‭ ‬من‭ ‬أنفسهم،‭ ‬وإلى‭ ‬زمنٍ‭ ‬كان‭ ‬العيد‭ ‬فيه‭ ‬مناسبة‭ ‬حقيقية‭ ‬للدفء‭ ‬الإنساني‭.‬

لقد‭ ‬رحلت‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة؛‭ ‬تغيّرت‭ ‬المدن،‭ ‬وتبدّلت‭ ‬الأحوال،‭ ‬وكبرت‭ ‬البلاد،‭ ‬وتبقى‭ ‬تكبيرات‭ ‬العيد‭ ‬وحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬ذلك‭ ‬الباب‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭… ‬ذلك‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭ ‬أطفال‭ ‬السبعينيات‭ ‬بثيابهم‭ ‬الجديدة،‭ ‬وعيونهم‭ ‬المليئة‭ ‬بالدهشة،‭ ‬يركضون‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬ليبيا‭ ‬التي‭ ‬كانت،‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬تشبه‭ ‬بيتاً‭ ‬واحداً‭ ‬كبيراً‭ ‬يتسع‭ ‬للجميع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى