
في عالمٍ يزدادُ ازدحامًا بالكلام، أصبح الجميع يريد أن يتحدث، بينما القليل فقط يجيد الإصغاء. لم تعد المشكلة في الاختلاف، بل في الطريقة التي ندير بها هذا الاختلاف. فالحوار الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتنا على الاستماع باحترام وفهم.
اتصل بي صديق غاضبًا، يواجهني باتهامات لم أقلها، ويحاكم نوايا لم تخطر ببالي. حاولتُ أن أوضح له الحقيقة، لكنه لم يكن يسمعني أصلًا؛ كان يسمع غضبه فقط.
أنهى المكالمة سريعًا، وكأنَّ الحكم قد صدر مسبقًا، دون أن يمنحني فرصة للكلام.
ما حدث لم يكن مجرد خلاف عابر، بل صورة متكرَّرة لواقع نعيشه يوميًا؛ حيث تحوّل النقاشُ عند البعض إلى معركة لإثبات الذات، لا مساحة للفهم. فحين يغيب الاستماع، يضيع المعنى، وتصبح العلاقات أكثر هشاشة أمام أي سوء فهم.
نحن لا نخسر بعضنا بسبب اختلاف الآراء، بل بسبب غياب ثقافة الإنصات. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، وإنما إلى عقل هادئ، وقلب يتسع للرأي الآخر. وحده الحوار الهادئ قادر على حماية ما تبقى من إنسانيتنا وعلاقاتنا.


