رأيمرايا

ضجيج بلا حوار

د. سرتية العاتي

في‭ ‬عالمٍ‭ ‬يزدادُ‭ ‬ازدحامًا‭ ‬بالكلام،‭ ‬أصبح‭ ‬الجميع‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتحدث،‭ ‬بينما‭ ‬القليل‭ ‬فقط‭ ‬يجيد‭ ‬الإصغاء‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الاختلاف،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ندير‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭. ‬فالحوار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بارتفاع‭ ‬الصوت،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتنا‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬باحترام‭ ‬وفهم‭.‬

اتصل‭ ‬بي‭ ‬صديق‭ ‬غاضبًا،‭ ‬يواجهني‭ ‬باتهامات‭ ‬لم‭ ‬أقلها،‭ ‬ويحاكم‭ ‬نوايا‭ ‬لم‭ ‬تخطر‭ ‬ببالي‭. ‬حاولتُ‭ ‬أن‭ ‬أوضح‭ ‬له‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يسمعني‭ ‬أصلًا؛‭ ‬كان‭ ‬يسمع‭ ‬غضبه‭ ‬فقط‭.‬

أنهى‭ ‬المكالمة‭ ‬سريعًا،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الحكم‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬مسبقًا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمنحني‭ ‬فرصة‭ ‬للكلام‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬صورة‭ ‬متكرَّرة‭ ‬لواقع‭ ‬نعيشه‭ ‬يوميًا؛‭ ‬حيث‭ ‬تحوّل‭ ‬النقاشُ‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬لإثبات‭ ‬الذات،‭ ‬لا‭ ‬مساحة‭ ‬للفهم‭. ‬فحين‭ ‬يغيب‭ ‬الاستماع،‭ ‬يضيع‭ ‬المعنى،‭ ‬وتصبح‭ ‬العلاقات‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭.‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نخسر‭ ‬بعضنا‭ ‬بسبب‭ ‬اختلاف‭ ‬الآراء،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬ثقافة‭ ‬الإنصات‭. ‬فالحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صراخ،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬عقل‭ ‬هادئ،‭ ‬وقلب‭ ‬يتسع‭ ‬للرأي‭ ‬الآخر‭. ‬وحده‭ ‬الحوار‭ ‬الهادئ‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬وعلاقاتنا‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى