حكاية إشعارٌ واحدٌ .. هزّ الحوش بالكامل

من الرسائل التي وصلتني عالخاص، كانت هناك قصة تختصر جانبًا مؤلمًا مما تعيشه بعض البيوت اليوم في ظل الانفتاح الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث أصبحتْ شاشة الهاتف الصغيرة قادرة أحيانًا على إدخال القلق والشك وحتى هدم الاستقرار داخل الأسرة.
تقول صاحبة الرسالة:
)أنا امرأة متزوجة، أعيش حياتي بشكل عادي جدًا، أشارك بعض يومياتي البسيطة على «تيك توك»؛ قهوة، نزهة، مناسبة عائلية، أو لحظات عادية من يومي، دون إساءة، أو تجاوز. لم أكن أتصور يومًا أنَّ الأمرَ قد يتحوَّل إلى مشكلة تهز بيتي وتكسر قلبي..(.
وتضيف :
)في أحد الأيام، عاد زوجي إلى المنزل وأخذ هاتفي ليتفقده، فوجد طلبات مراسلة من بعض الشباب على التطبيق، رغم أنني لم أرد على أحد، ولم أقبل أي محادثة، أو متابعة مشبوهة. لكن مجرد وجود تلك الطلبات كان كافيًا ليشعل الشك داخله. بدأ يواجهني بعصبية ويتحدث بطريقة قاسية، وقال ليَّ كلماتٍ ما زالتْ تؤلمني حتى الآن: )علاش الرجال يشوفولك؟ أكيد من اللي ديريه(. ثم وصل الأمر إلى أن قال: )لو مش عاجبكِ الحال امشي لحوش أمكِ(.
المرأة كانت حاملًا، منهكة نفسيًا، وأمًا لأطفال صغار، ولم تجد في تلك اللحظة سوى البكاء، لأنها شعرتْ أن ثقتها بنفسها وكرامتها تُهدم بكلمات قاسية لم تتوقعها من أقرب النَّاس إليها.
هذه القصة ليستْ الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، لكنها تضعنا أمام حقيقة مهمة جدًا:
«السوشيال ميديا» اليوم لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، أو تواصل، بل أصبحتْ طرفًا ثالثًا يتدخل في تفاصيل العلاقات الزوجية، ويؤثر على مستوى الثقة والاستقرار داخل البيت.
للأسف، بعض الأزواج باتوا يقيسون أخلاق المرأة بعدد المتابعين، أو بطلبات الرسائل التي قد تصلها دون إرادتها، مع أن الجميع يعلم أن أي حساب مفتوح قد تصله طلبات، أو تعليقات من الغرباء دون أن يكون صاحب الحساب مسؤولًا عنها.
وفي المقابل، هناك نساءٌ أيضًا انشغلن بشكل مبالغ فيه بالعالم الافتراضي، حتى أصبح الهاتف يأخذ مساحةً أكبر من الزوج، والأسرة، والبيت، فاختلطتْ الحدود بين الخصوصية والحياة العامة، وأصبحتْ بعض التفاصيل الشخصية معروضة للنَّاس يوميًا، مما فتح أبواب المقارنات والغيرة والمشكلات، وسوء الفهم.
المشكلة الحقيقية ليستْ في التطبيق نفسه، بل في طريقة استخدامه، وفي غياب التوازن والحوار والثقة بين الزوجين.
فالبيتُ لا يُبنى بالمراقبة الدائمة، ولا بالتفتيش المستمر، ولا بالاتهامات الجارحة، بل يُبنى بالاحترام والطمأنينة وحسن الظن.
كما أنَّ المرأة الحكيمة تدرك أن ليس كل شيء يستحق النشر، وأن بعض الخصوصيات كلما بقيتْ داخل البيت كانتْ أكثر أمانًا وراحة.
ما يؤلم فعلًا أن كثيرًا من الخلافات الزوجية اليوم تبدأ من «إشعار»، أو «رسالة»، أو «متابعة»، ثم تكبر بسبب العصبية والشك وسوء إدارة الحوار، حتى تصل أحيانًا إلى الطلاق، أو الكراهية أو تفكك الأسرة، بينما الأطفال هم أول من يدفع الثمن.
)زمان كانوا يقولوا: الستر راحة، واليوم صار كل شيء معروض للنَّاس(.
لكن هذا لا يعني أن تُحرم المرأة من حقها في الوجود، أو التعبير، أو مشاركة يومياتها بشكل محترم، كما لا يعني أن يتحوَّل الرجل إلى محقَّق يفتش خلف كل إشعار وصورة، وتعليق.
العلاقة الناجحة تحتاج إلى وعي من الطرفين.
الرجل يحتاج أن يفرق بين الشك، والحقيقة، وأن يحافظ على زوجته بالكلمة الطيبة لا بالإهانة، والمرأة تحتاج أن تنتبه إلى حدود الخصوصية وأن تعطي بيتها وأسرتها الأولوية قبل أي عالم افتراضي.
وفي النهاية، تبقى الثقة هي العمود الحقيقي لأي زواج.
فمتى دخل الشك بلا دليل، تحوّلتْ الحياة إلى خوفٍ، وتوترٍ، وصمتٍ مؤلمٍ، ومتى غابتْ الحكمة في استخدام مواقع التواصل، أصبح الهاتف بابًا مفتوحًا للمشكلات التي لا تنتهي.


