لم يعد المواطن الليبي يخشى انقطاع التيار الكهربائي وحده، بل أصبح يخشى أيضاً لحظة شحن العداد الإلكتروني، بعدما تحول من وسيلة لتنظيم الاستهلاك إلى مصدر قلق واستنزاف دائم. ففي ظل أوضاع اقتصادية خانقة وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، يجد المواطن نفسه أمام خصومات ورسوم تتزايد باستمرار، بينما تبقى جودة الخدمة على حالها، أو ربما تتراجع أكثر.
القصة بدأت بدخول شركة خاصة لتركيب عدادات مسبقة الدفع في بعض المناطق دون توعية كافية أو عقود واضحة تحدد حقوق المشتركين وواجباتهم، كما نُفذت أعمال التركيب بصورة أثارت استغراب السكان، بعد تثبيت العدادات بشكل عشوائي على أعمدة الكهرباء، في مشهد لا يعكس احتراماً لمعايير التنظيم والسلامة.
في الأشهر الأولى، كانت قيمة شحن بسيطة تكفي احتياجات الأسرة لفترة معقولة، لكن الأمر تغير تدريجياً. فقد أصبح الرصيد ينفد بسرعة، مع ظهور خصومات ورسوم متعددة لا يعرف المواطن على أي أساس تُحتسب، ولا متى تنتهي، ولا ما الخدمات التي تقابلها. والأسوأ أن هذه الاستقطاعات تأتي في وقت ما تزال فيه الانقطاعات المتكررة جزءاً من الحياة اليومية، حتى خلال الفترات الحساسة، مثل امتحانات الشهادة الثانوية، حين تُرِك آلاف الطلاب يواجهون الظلام والحر والقلق بدل توفير الحد الأدنى من الاستقرار.
المشكلة ليست في العدادات الإلكترونية، فالتقنيات الحديثة وُجدت لخدمة الإنسان وتحسين كفاءة الإدارة، لكنها تفقد مشروعيتها عندما تغيب الشفافية، ويغيب معها حق المواطن في معرفة كيف تُحسب التعريفة، ولماذا تُخصم الرسوم، وما المقابل الحقيقي الذي يحصل عليه.
إن الصمت الرسمي لا يقل ضرراً عن الانقطاع نفسه. فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، بل يطالب بإجابات واضحة، وبخدمة مستقرة، وبإدارة تحترم عقله وحقوقه. فالجهات الخدمية لا تُقاس بحجم ما تجبيه من أموال، وإنما بقدرتها على تقديم خدمة عادلة وشفافة تحفظ كرامة المواطن.
الكهرباء ليست سلعة كمالية، بل مرفق عام يمس حياة كل بيت. ومن حق المواطن أن يعرف أين تذهب أمواله، ولماذا يدفع أكثر بينما يحصل على خدمة أقل. فاستعادة الثقة تبدأ بالمصارحة، وتتجسد في تحسين الخدمة، لا في زيادة الأعباء على من أنهكتهم الأزمات.



