بين الدوام والكوجينة الليبية وتعدد الأدوار .. المرأة وحدها في المعادلة
فائزة العجيلي
هذا الاستطلاع يقتربُ من يوميات الليبيات بين الطموح المهني، والواجبات المنزلية، بين الدعم المجتمعي، والضغط اليومي، لنكشف كيف تعيش المرأة هذه المعادلة المعقدة وكيف ترى نفسها داخلها.
بدأنا استطلاعنا مع المحامي هناء الطياري التي تصف تجربة التوازن بأنها طريق محفوف بالتضحيات. وترى أن النجاح المهني والاجتماعي لا يأتي بلا ثمن، مؤكدة أنها دفعتْ الكثير من صحتها ووقتها وجهدها في سبيل تحقيق هذا التوازن. ورغم ما يرافق الرحلة من تعب وحزن أحياناً، إلا أن رؤية النتائج تمنحها شعورًا بالفخر والتميز، وتؤكد أن المرأة الليبية قادرة على الصمود كـ«لبوة لا تخيفها عواصف الحياة».
أما د.سوسن البكوش، أ.جامعي وباحث وخبير بالهيئة الليبية للبحث العلمي في الإعلام وعلوم الاتصال فترى أن حضور المرأة القيادي اليوم لم يأتِ من فراغ، بل من اتساع فرص التعليم والتنمية وتطور الوعي المجتمعي بدورها.
وتؤكد أن النجاح لا يعني التخلي عن الأسرة، أو القيم، بل يكمن في القدرة على تحقيق توازن حقيقي بين الواجبات المنزلية، وتحقيق الذات، والتمكين الاقتصادي والسياسي،والاجتماعي.
ومن زاوية الحياة اليومية، تقول جيهان الفزاني – موظف في إدارة الخزانة بوزارة المالية : إن الصورةَ ليستْ أبيض وأسود؛ فالمرأةُ الليبية نجحتْ في كثيرٍ من الحالات في خلق توازن مقبول، خاصة حين يتوفر الدعم الأسري. لكنها تدفع ثمناً باهظًا يتمثل في الإرهاق الجسدي، والضغط النفسي، والشعور الدائم بالذنب، وقلة الوقت لنفسها. وترى أن المشكلة ليستْ في قدرة المرأة، بل في توقعات المجتمع التي تريدها مثالية في كل الأدوار دفعة واحدة، وهو ما يخلق حالة استنزاف مستمرة.
من جهتها تؤكد عضو هيئة التدريس رحاب محمد الجرباني أنْ المرأةَ حقَّقتْ تقدماً كبيراً في التوازن بين العمل والمنزل، لكنها تدفع ثمن هذا النجاح من صحتها وطاقتها اليومية.
وترى أن هذا النجاح يحتاج إلى دعم أسري ومجتمعي أكبر حتى لا يكون قائماً على استنزاف دائم.
تقدم أ.منى بشير الجبيلي، مدير جمعية «أنامل مبدعة» للثقافة والفنون والتوعية فرع الخمس تجربة شخصية تكشف أهمية «الداعم» في معادلة التوازن.
فقد نجحتْ في الجمع بين العمل، والبيت في وجود زوج داعم يشاركها المسؤولية، لكن بعد فقده تضاعفت الأعباء وبدأ الثمن النفسي والجسدي يظهر بوضوح.
ومع تغير الظروف العائلية، تؤكد أن غياب الدعم يعيد المرأة إلى نقطة الصفر، ويجعل التوازن أكثر صعوبةً.
تقول نعيمة التواتي رئيس قسم الصحف والمعارض بشركة «البريقة» لتسويق النفط: لقد أثبتتْ المرأةُ العاملةُ في ليبيا حضورها في مختلف مجالات العمل إلى جانب أخيها الرجل، وأكدتْ بطبيعتها قدرتها على أداء مهامها بكفاءة واقتدار. كما أسهمتْ في خلق توازن جميل بين دورها المهني ومسؤولياتها الأسرية والاجتماعية. غير أن هذا النجاح لا يخلو من ضريبة الإرهاق والتعب النفسي، في ظل استمرار بعض أنماط الثقافة الذكورية التي ما تزال تؤثر في بيئة العمل والمجتمع.
وترى رباب نور – إعلامية، وصحفية بوزارة الداخلية.
أن الإجابة ليست قطعية، فالتجربة تختلف من امرأة إلى أخرى. لكن يمكن القول إن المرأة الليبية نجحت في الاستمرار أكثر مما نجحتْ في تحقيق توازن حقيقي؛ فهي تجمع بين الوظيفة وأعمال المنزل لا بسبب توزيع عادل للمسؤوليات، بل لأنها تتحمل أدوارًا متعددة في آنٍ واحدٍ.
التوازن ممكن نظريًا إذا توفّر تعاون حقيقي داخل الأسرة وتقسيم واضح للمهام ودعم خارجي، لكن في كثير من البيوت ما تزال الأعمال المنزلية تقع بالكامل على عاتق المرأة، لتدفع ثمنًا نفسيًا وجسديًا صامتًا يتمثل في الإرهاق المستمر والاحتراق النفسي والشعور الدائم بالتقصير.
حضور في مواقع القرار وثمن غير معلن
من جهتها تؤكد د.عواطف قويعة مدير مكتب النشاط المدرسي بوزارة التعليم. أن المرأة الليبية لم تعد محصورة في الأدوار التقليدية، بل أصبحتْ فاعلة في مواقع القرار والعمل العام. ومع ذلك يبقى السؤال: هل تحقق التوازن أم تُستنزف بصمت؟!.
فالمجتمع يريدها ناجحة في عملها دون أن أي تقصير في بيتها، قوية في الميدان هادئة داخل الجدران، حاضرة في الشأن العام دون أن تغيب عن تفاصيل الحياة اليومية.
بطولات يومية خلف الكواليس
وترى انتصار حميد – ماجستير إعلام من سبها أن المرأة الليبية كانت ولا تزال ركيزة أساسية في المجتمع، لكنها اليوم تؤدي أدوارًا مضاعفة؛ فهي الموظفة والأم والمعلمة والطاهية ومدبرة المنزل في آنٍ واحد.
وتشير إلى أن هذا التعدد في الأدوار يجعلها مثقلة بالمسؤوليات جسديًا ونفسيًا، ما يستدعي تغييرًا في الوعي المجتمعي ودعمًا حقيقيًا يواكب حجم ما تقدمه.
التوازن ليس حالة ثابتة
من تجربة شخصية، تؤكد إحدى المشاركات أن التوازن ليس حالة مستقرة، بل عملية يومية من التفاوض مع الوقت والذات والتوقعات. فهناك أيام ينجح فيها الميزان، وأيام يميل فيها لصالح أحد الطرفين. لكن الأهم هو الاعتراف بأن الكمال وهم، وأن الإرهاق ليس بطولة.
القطاع الصحي .. التحدي المضاعف
توضح. د. سلمى عبدالسلام اختصاصية أطفال أن العمل في القطاع الصحي، بما يتضمنه من نوبات ليلية وساعات طويلة، يجعل التوازن تحديًا يوميًا حقيقيًا. فالكثير من النساء ينجحن في الجمع بين الدورين، لكن غالبًا على حساب الراحة والصحة، مؤكدة أن تقاسم الأدوار داخل الأسرة ضرورة لا رفاهية.
ضغط الكمال
تقول أسماء بن عمران من مدينه الجفرة : إن المرأة بطبيعتها منظمة وقادرة على التكيف، لكن أكثر ما يرهقها هو شعورها الدائم بأنها مطالبة بالكمال في كل شيء. فالمعلمة تنهي دوامها في المدرسة لتبدأ دوامًا ثانيًا في المنزل، ما يجعل التوازن هشًا ويحتاج إلى دعم وتقدير أكبر.
وتؤكد عائشة حامد بابا الليلي من مدينه غات أن المرأة الليبية أثبتتْ كفاءتها في كل موقع، لكنها في كثير من الأحيان تتحمل عبئًا مضاعفًا.
وترى أن التوازن لا يتحقَّق عندما تتحمل المرأة كل شيء وحدها، بل عندما تصبح المسؤولية مشتركة داخل الأسرة والمجتمع.
وظيفتان في يوم واحد
أما نجاة عسكر فتصف الواقع بوضوح: المكتب وظيفة والمطبخ وظيفة، وغالبًا ما تكون الثانية على حساب الصحة النفسية والجسدية، خاصة في ظل ظروف اجتماعية إضافية.
التوازن يتغير مع المراحل
تقول ليلى الكيلاني -معلمة : إن التوازن ليس ثابتًا، بل يتغير وفق المرحلة العمرية وظروف الأسرة، مؤكدة أن المرأة تحتاج إلى وقت لنفسها دون شعور بالذنب، وأن الراحة حق وليست تقصيرًا.
تغيير الثقافة قبل كل شيء
تشدد نسرين الورفلي موظف على أن التوازن الحقيقي لن يتحقق إلا عندما يصبح العمل المنزلي مسؤولية مشتركة، مشيرة إلى أن المطلوب اليوم هو تغيير ثقافي لا مجرد الإشادة بقدرة المرأة على التحمل.
توضح فاطمة الزهراء المبروك أن ريادة الأعمال تمنح مرونة، لكنها تضيف مسؤوليات جديدة. فالعمل بلا ساعات محددة يعني نجاحًا ممكنًا بشرط وجود بيئة داعمة تدرك أن نجاح المرأة مكسب للجميع.
الخلاصة ..
تكشف شهادات المشاركات أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة المرأة الليبية على التوازن، بل في حجم الدعم الذي تتلقاه وفي النظرة المجتمعية لدورها.
فالمرأة اليوم تؤدي دورين كاملين في يوم واحد، وتواصل المسير بصمت محافظة على تماسك الأسرة ومساهمة في بناء المجتمع.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل آن الأوان ليصبح التوازن مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع ومؤسسات العمل؟ أم ستظل المرأة الليبية تدير هذه المعادلة الصعبة وحدها كل صباح؟



