الرئيسيةصحة

د‭ .‬يحيى‭ ‬عويس‭ /‬اختصاصي‭ ‬التغذية‭ ‬وعلاج‭ ‬السمنة‭ :‬وهم‭ ‬الميزان‭ ‬وجوع‭ ‬الأمعاء‭ ..‬كيف‭ ‬تحولت‭ ‬أنظمة‭ ‬التخسيس‭ ‬إلى‭ ‬فخ‭ ‬تجاري‭ ‬ونفسي‭؟

هدى الميلودي

باتتْ‭ ‬أجسادنا‭ ‬ضحية‭ ‬يومية‭ ‬لصيحات‭ ‬التغذية‭ ‬العشوائية‭. ‬يندفع‭ ‬الآلاف‭ ‬وراء‭ ‬سراب‭ ‬‮«‬خسارة‭ ‬الوزن‭ ‬السريعة‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬أنظمة‭ ‬صارمة،‭ ‬غافلين‭ ‬عن‭ ‬فواتير‭ ‬طبية‭ ‬باهظة‭ ‬تبدأ‭ ‬بنقص‭ ‬العناصر‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتنتهي‭ ‬باضطرابات‭ ‬نفسية‭ ‬وجسدية‭ ‬عنيفة‭. ‬ولم‭ ‬يقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الحرمان،‭ ‬بل‭ ‬تلقفت‭ ‬شركات‭ ‬الأدوية‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬هذا‭ ‬الهوس،‭ ‬لتبيع‭ ‬للمستهلكين‭ ‬وهم‭ ‬‮«‬الأعشاب‭ ‬السحرية‮»‬،‭ ‬ومستحضرات‭ ‬التخسيس،‭ ‬مستنزفة‭ ‬جيوبهم‭ ‬قبل‭ ‬صحتهم‭.‬

يُفكك‭ ‬الدكتور‭ ‬يحيى‭ ‬عويس،‭  ‬اختصاصي‭ ‬التغذية‭ ‬العلاجية،‭ ‬هذه‭ ‬الخرافات‭ ‬الشائعة،‭ ‬راسمًا‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬هوس‭ ‬الأرقام‭ ‬على‭ ‬الميزان‭ ‬وحقيقة‭ ‬الصحة‭ ‬المستدامة،‭ ‬ليضعنا‭ ‬أمام‭ ‬وعي‭ ‬جديد‭ ‬ينقذنا‭ ‬من‭ ‬الخداع‭ ‬التسويقي‭.‬

هوس‭ ‬الحرمان‭ ‬الجسد

يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬صدمة

لا‭ ‬يكمن‭ ‬السرُ‭ ‬في‭ ‬تجويع‭ ‬الجسد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬لغته‭. ‬يرى‭ ‬د‭.‬عويس‭ ‬أن‭ ‬الاندفاع‭ ‬خلف‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحادة،‭ ‬مثل‭ :‬

الكيتو،‭ ‬أو‭ ‬الصيام‭ ‬المطول،‭ ‬يضع‭ ‬الجسم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طواريء‭. ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬استنزاف‭ ‬العضلات،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الوزن‭ ‬الصحي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭: ‬‮«‬الاعتدال‮»‬‭.‬

الجسد‭ ‬البشري‭ ‬آلة‭ ‬معقدة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬المغذيات‭ ‬الكبرى

‭)‬البروتينات،‭ ‬الكربوهيدرات،‭ ‬الدهون‭ ‬الصحية‭(‬،‭ ‬والصغرى‭ )‬الفيتامينات‭ ‬والمعادن‭(. ‬وغياب‭ ‬أي‭ ‬عنصر‭ ‬يضرب‭ ‬منظومة‭ ‬الهرمونات‭ ‬وبناء‭ ‬الأنسجة‭ ‬في‭ ‬مقتل‭. ‬القاعدة‭ ‬بسيطة؛‭ ‬وازن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تأكله،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬تبذله‭ ‬من‭ ‬جهد‭.‬

الأيام‭ ‬المليئة‭ ‬بالحركة‭ ‬تتطلب‭ ‬طاقة‭ ‬أكبر،‭ ‬وأيام‭ ‬الراحة‭ ‬تستوجب‭ ‬سعرات‭ ‬أقل‭.‬

لكن‭ ‬المأساة‭ ‬تقع‭ ‬حين‭ ‬يتسلل‭ ‬‮«‬الشعور‭ ‬الزائف‭ ‬بالاستحقاق‮»‬‭.‬

يعتقد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الحرمان‭ ‬القاسي‭ ‬تكفي‭ ‬لبروز‭ ‬نتائج‭ ‬سحرية‭. ‬وحين‭ ‬يثبت‭ ‬الوزن،‭ ‬ينهار‭ ‬الصبر،‭ ‬وتُهدم‭ ‬الحمية،‭ ‬ليعود‭ ‬الشخص‭ ‬إلى‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الطعام‭ ‬بشراهة‭ ‬مضاعفة‭.‬

الحمية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬د‭.‬عويس،‭ ‬هي‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬وطويل‭ ‬الأمد‭ ‬لأسلوب‭ ‬الحياة،‭ ‬وليست‭ ‬زنزانة‭ ‬حرمان‭ ‬مؤقتة‭.‬

تجارة‭ ‬الوهم‭ ‬خرافة

الأعشاب‭ ‬وكريمات‭ ‬إذابة‭ ‬الدهون

في‭ ‬زوايا‭ ‬‮«‬الإنترنت‮»‬‭ ‬وعلى‭ ‬أرفف‭ ‬الصيدليات،‭ ‬تنشط‭ ‬أكبر‭ ‬خرافة‭ ‬تغذوية‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭:‬

‮«‬الكبسولة‭ ‬الحارقة‭ ‬للدهون‮»‬‭. ‬يواجه‭ ‬د‭.‬عويس‭ ‬يوميًا‭ ‬ضحايا‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات،‭ ‬من‭ ‬مستحضرات‭ ‬التخسيس‭ ‬إلى‭ ‬الأعشاب‭ ‬المجهولة‭ ‬والكريمات‭ ‬المزعومة‭.‬

الحقيقة‭ ‬الطبية‭ ‬قاطعة‭ ‬هنا؛‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬تقوم‭ ‬بدورٍ‭ ‬هامشي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬معدومًا‭.‬

إنقاص‭ ‬الوزن‭ ‬الحقيقي‭ ‬يُصنع‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭ ‬وداخل‭ ‬العقل،‭ ‬عبر‭ ‬تصحيح‭ ‬السلوكيات،‭ ‬واختيار‭ ‬الأطعمة‭ ‬الطبيعية‭ ‬

‭)‬اللحوم،‭ ‬زيت‭ ‬الزيتون،‭ ‬السمن‭ ‬الحيواني‭(‬،‭ ‬ومقاطعة‭ ‬المنتجات‭ ‬المصنَّعة‭ ‬كالزيوت‭ ‬المهدرجة‭. ‬وهنا‭ ‬يتجلى‭ ‬الدور‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأختصاصي‭ ‬التغذية؛‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬آلة‭ ‬لطباعة‭ ‬جداول‭ ‬الطعام‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الموجه‭ ‬النفسي‭ ‬والداعم‭ ‬الذي‭ ‬يقيل‭ ‬عثرات‭ ‬المريض‭ ‬ويضمن‭ ‬استمراريته‭.‬

رابط‭ ‬الأمعاء‭ ‬والدماغ‭ ‬أين‭ ‬يُصنع‭ ‬مزاجنا؟

هل‭ ‬تساءلتَ‭ ‬يومًا‭ ‬لماذا‭ ‬تشعر‭ ‬بالاكتئاب‭ ‬المباغت‭ ‬أثناء‭ ‬الريجيم‭ ‬القاسي؟‭.‬

الإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أمعائك؛‭ ‬حيث‭ ‬يؤثر‭ ‬الغذاء‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وشعواء‭ ‬على‭ ‬استقرارنا‭ ‬النفسي‭ ‬وجودة‭ ‬نومنا‭.‬

النقص‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬الفيتامينات‭ ‬أو‭ ‬المغنيسيوم‭ ‬أو‭ ‬مخزون‭ ‬الحديد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬مشرعًا‭ ‬أمام‭ ‬القلق‭ ‬والأرق‭.‬

المفاجأة‭ ‬الطبية‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬د‭. ‬عويس‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬95‭ % ‬من‭ ‬‮«‬السيروتونين‮»‬‭ ‬‮«‬هرمون‭ ‬السعادة‮»‬‭ ‬يُصنع‭ ‬في‭ ‬المعدة‭ ‬والأمعاء،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الدماغ‭ ‬سوى‭ ‬5‭ % ‬منه،‭ ‬ورغم‭ ‬ضآلة‭ ‬نسبة‭ ‬الدماغ،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬صاحبة‭ ‬الكلمة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬المزاج‭. ‬لكي‭ ‬تدور‭ ‬هذه‭ ‬الآلة،‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أحماض‭ ‬أمينية‭ ‬كـ‭)‬التربتوفان‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬البروتينات‭(‬،‭ ‬والتي‭ ‬تتخذ‭ ‬مساراً‭ ‬فريداً‭ ‬نحو‭ ‬الدماغ،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تتدخل‭ ‬الكربوهيدرات‭ ‬حتى‭ ‬يُضاء‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬ويبدأ‭ ‬تدفق‭ ‬هرمون‭ ‬السعادة‭.‬

باختصار‭:‬

جوع‭ ‬الأمعاء‭ ‬هو‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬لسلامة‭ ‬العقل‭.‬

فخاخ‭ ‬السوبر‭ ‬ماركت‭: ‬كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬الملصقات‭ ‬بذكاء؟

يقف‭ ‬المستهلك‭ ‬حائرًا‭ ‬أمام‭ ‬أرفف‭ ‬المتاجر،‭ ‬تخدعه‭ ‬الكلمات‭ ‬الرنانة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬صحي‮»‬،‭ ‬و«خالٍ‭ ‬من‭ ‬الدسم‮»‬‭.‬

يقدم‭ ‬د‭. ‬عويس‭ ‬قاعدة‭ ‬ذهبية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الخداع‭:‬

للأصحاء‭:‬‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بتجاوز‭ ‬القواعد‭ ‬قليلاً،‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬صنف‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬ولمرة‭ ‬واحدة‭ ‬أسبوعياً‭ ‬ضمن‭ ‬‮«‬الوجبة‭ ‬المفتوحة‮»‬‭.‬

لأصحاب‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭: ‬‮«‬السكري،‭ ‬الضغط،‭ ‬القلب‮»‬‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للمجاملة‭. ‬يجب‭ ‬التدقيق‭ ‬بصرامة‭ ‬في‭ ‬الملصقات‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشياء‭:‬

1‭.‬ السعرات‭ ‬الحرارية‭ ‬المنخفضة‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬السكريات‭ ‬الخفية‭.‬

2‭.‬ جودة‭ ‬الزيوت‭ ‬وتجنب‭ ‬الدهون‭ ‬المهدرجة‭ ‬تماماً‭.‬

3‭.‬ البدائل‭ ‬الآمنة‭:‬‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬محليات‭ ‬آمنة‭ ‬مثل‭ :‬

‮«‬الستيفيا‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬الأبيض،‭ ‬واستخدام‭ ‬بدائل‭ ‬الدقيق‭ ‬الصحي‭ ‬كـ«الشوفان‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الدقيق‭ ‬المكرر‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ..‬

الجسد‭ ‬ليس‭ ‬خصمًا‭ ‬يجب‭ ‬هزيمته‭ ‬بالحرمان،‭ ‬بل‭ ‬حليف‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الفهم‭ ‬والوعي‭.‬

التخلص‭ ‬من‭ ‬الوزن‭ ‬الزائد‭ ‬رحلة‭ ‬تبدأ‭ ‬بإصلاح‭ ‬علاقتنا‭ ‬مع‭ ‬الطعام،‭ ‬وتنتهي‭ ‬بصحة‭ ‬مستدامة‭ ‬لا‭ ‬تهزها‭ ‬وعود‭ ‬الإعلانات‭ ‬الزائفة‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى