لماذا تثير ضريبة السلع الكمالية الجدل في هذا التوقيت؟من حيث المبدأ، تُعدّ الضرائب على السلع الكمالية سياسة مالية معروفة تهدف إلى زيادة الإيرادات العامة وترشيد الطلب على النقد الأجنبي،غير أن توقيت طرح هذا الإجراء في ليبيا يجعله إشكاليًا اقتصاديًا واجتماعيًا.. بحكم الأرضية القلق التي يقف عليها واقع البلاد ومن ذلك تتعدد وجهات النظر بخصوص سلامة هذا الإجراء من عدمه.
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور سامح الكانوني
أن قرار مصرف ليبيا المركزي ربما الغرض منه الحد من دخول السلع الكمالية للسوق الليبي ولكنه تجاهل بعض الأمور، إذ كان المفترض تشكّل لجنة من وزارة الاقتصاد والرقابة على الأغذية والأدوية والجمارك ومصرف ليبيا المركزي بحيث يتم تحديد السلع الكمالية المعنية التي تدخل للسوق، فهناك مواد يراها المركزي كمالية ولكنها أصبحت من الضروريات اليوم ومنها مواد التنظيف للملابس أو للبشر والروائح والعطور، أما الكريمات وصابون غسيل الجسم حسب وجهة نظري فهي سلع كمالية ويمكن فرض ضريبة عليها ورفع سعرها.
يضيف الكانوني: مع ذلك يبقى الأمر يحتاج تظافر عدة جهات كالحرس البلدي ومراقبة التسعيرة، ولكن زيادة الضريبة بهذه الكيفية سيولد عنها زيادة ضرائب أخرى، فإذا نظرنا للواقع بعين صافية سنرى الدولار بيد التجار هم من يشرونه)2000دولار( من المواطن المحتاج للسيولة مقابل 1500 دينار، ومن ثم يبيعونه مرة اخرى، باختصار كأن الامر دعم وتشجيع للسوق السوداء، فبالتالي رفع الضريبة لن يتحمل تداعياتها وثقلها الّا المواطن أمّا التجار فلن يضرهم شيء سيبيعون بضاعتهم بسعر أعلى من السعر الذي اشتروها به بالدولار.
وفق ما ذكر يدعوا الكوني المصرف المركزي إلى اعادة دراسة قراره ووضع الأمور في نصابها قبل أن يستفحل الامر وتزداد السوق السوداء تغولا فاستمرار الحال على ما هو عليه قد يصل بقيمة الدولار إلى 15 دينار وأكثر وحسب وجهة نظري لابد من انهاء الأمر والعمل على إعادة تفعيل صندوق موازنة الاسعار وتحقيق السلع الاساسية للمواطنين كذلك الحال في التعليم والصحة بحيث الدولة هي من تتحمل مسؤولية توفر احتياجات الشعب وتقنين الاستيراد والقضاء على هذه الازمات المفتعلة ليصبح المواطن آمنا غذائيا ودوائيا.
وظيفة حكومية
)هناك عدة تجاوزات للقانون( هذا ما يراه الدكتور عطية الفيتوري عميد كلية الاقتصاد جامعة بنغازي، فالمصرف المركزي ليس من وظائفه فرض ضريبة على السلع لأن ذلك وظيفة الحكومة.
وأوضح أن فرض الضريبة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع في السوق ربما حتى بأعلى من الضريبة نفسها، وهذا يؤدي إلى انخفاض الدخل الحقيقي للأفراد وبالتالي لا يستطيع الفرد الحصول على كمية السلع التي كان يحصل عليها بدخله مما قد يؤدي إلى زيادة شريحة الفقراء في المجتمع.
ويعتقد الدكتور جمعة الفاخري أستاذ الاقتصاد بجامعة اجدابيا أنه من الخطأ فرض ضريبة من قبل المركزي للأسباب منها أنه يجب أن يكون هناك تشريع لفرضها فالمركزي غير مختص ولا مخول بفرض الضرائب.
والسبب الثاني من وجهة نظره أن الحل لمعالجة ارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الدينار لا يمكن معالجتها بالضرائب، المعالجة تتم بتناغم بين عمل السياسة النقدية والسياسة المالية والسياسة التجارية، وتسمى السياسة الاقتصادية للدولة، تعمل لتكوين ما يسمى بالاستقرار النقدي.
والأمر الثالث أن تداعياتها وخيمة بسبب ارتفاع الأسعار مما يثقل كاهل المواطن وتفقد القيمة الشرائية للدينار الليبي وارتفاع معدل التضخم والذي سينتج عنه عواقب منها البطالة والجريمة.
مقاربة نظرية
ومن جانبه يقول الباحث في شؤون الطاقة والاقتصاد أحمد المسلاتي: يمكن فهم قرار فرض الضريبة على السلع الموردة كأداة نقدية غير مباشرة تستهدف تقليل الطلب على الدولار عبر رفع تكلفة الاستيراد، بدل اللجوء إلى تعديل صريح في سعر الصرف.
هذه المقاربة حسب تعليقه قد تسهم نظريًا في تخفيف الضغط على العملة الأجنبية لكنها في المقابل تحمل أثرًا سريعًا على الأسعار داخل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، وقبول المواطن لهذا الإجراء لن يتحدد بالجانب الفني للقرار، بل بنتائجه الواقعية في السوق، فإذا انعكس باستقرار نسبي لسعر الصرف مع حماية السلع الأساسية، قد يُنظر إليه كخطوة إصلاحية مؤقتة.
ويضيف: أما إذا ظهر على شكل ارتفاع متسارع في الأسعار دون نتائج ملموسة، فسيُقرأ كعبء معيشي إضافي أكثر منه سياسة نقدية إصلاحية، في المحصلة نجاح الخطوة مرتبط بوضوح آلياتها التنفيذية واستقرارها المؤسسي، وربطها بسياسة اقتصادية أشمل تعالج جذور الضغط على العملة الوطنية، لا الاكتفاء بإجراءات منفردة قد تخلق أثرًا تضخيميًا يفوق أهدافها المعلنة.
ويؤكد الدكتور مراجع غيث كخبير مالي أنه كقاعدة عامة لا يجوز فرض ضريبة إلّا بقانون يصدر من جهة تشريعية أو رسوم يصدر بها قرار من سلطة تنفيذية )الحكومة( عدا ذلك فهذا أمر غير شرعي فإذا كان المصرف المركزي قد أصدر هذه الضريبة أو الرسم من عنده فهو باطل شرعا ، واختصاصه هو تعديل سعر الصرف فقط ، هذا من الناحية الشكلية من ناحية تصنيف السلع ما هو العيار في تصنيف السلع أساسية أو غير أساسية هل معقول الملابس التي تقي الناس من الحر والبرد و تسترهم هي سلع غير أساسية من ناحية الحاجة إلى فرض ضرائب أو رسوم على الاستيراد ما هو الغرض من ذلك ، هل هناك نقص في الموازنة وكل تقارير مصرف ليبيا المركزي عن الانفاق والايرادات توضح إن هناك فائض في الموازنة وحتى لو كان هناك عجز فمسؤولية معالجته مسؤولية الحكومة وليس المصرف المركزي.
ويتساءل الدكتور حلمي القماطي هل يملك المصرف المركزي أصلاً حق فرض ضريبة؟ وهل يعالج القرار الأزمة أم ينقلها إلى المواطن؟
ويجيب أنه ينبغي معرفة من زاوية قانونية.. أين التشريع؟ مضيفا: المبدأ بسيط في أي دولة حديثة )لا ضريبة إلّا بقانون( فرض الضرائب من اختصاص السلطة التشريعية، لأنه يمس دخل الناس مباشرة، وإذا لم يصدر قانون واضح من البرلمان، فإن أي إجراء ضريبي – مهما كانت مبرراته - يظل محل شك قانوني، وغياب السند التشريعي يعني ضعف الثقة في القرار وزيادة عدم اليقين لدى المستثمرين وتوسع الإحساس بأن الأعباء تُفرض بقرارات إدارية لا عبر مؤسسات منتخبة، وهذا وحده كفيل بإرباك السوق حتى قبل ظهور أي أثر اقتصادي
ويسوق القماطي السبب آخر وهو أن المصارف المركزية عادة تُعنى بأمور واضحة )ضبط التضخم، إدارة السيولة وحماية الاستقرار المالي(، أما الضرائب فهي أداة مالية، مرتبطة بالموازنة والإنفاق العام.
وواصل القماطي: عندما يفرض مصرف مركزي ضريبة، فهو عملياً يتحرك خارج نطاقه التقليدي، ويتداخل مع اختصاصات الحكومة والبرلمان، هذا التداخل ليس مجرد تفصيل تقني، بل علامة على خلل أعمق في إدارة الاقتصاد حين تضيق الخيارات، تبدأ المؤسسات في تجاوز حدودها.
وعن الأثر الاقتصادي كسبب ثالث يعلق بالقول: ليبيا اقتصادها يعتمد على الاستيراد بنسبة تقترب من 90% وهذا يعني ببساطة، أي تكلفة إضافية على الواردات ستظهر في الأسعار، إذا كانت فاتورة الواردات تقارب 25 مليار دولار سنوياً، وفرضت عليها ضريبة بمتوسط 20%، فنحن نتحدث عن مليارات إضافية ستُحمَّل في النهاية على المستهلك، وهنا تظهر ثلاث نتائج متوقعة.
ويصل القماطي إلى المحطة الرابعة من الأسباب قائلا: قد يظن البعض أن رفع تكلفة الاستيراد يقلل الطلب على الدولار لكن الواقع الليبي مختلف، هناك اقتصاد لا ينتج ما يستهلك، يفتقر للبدائل المحلية، يعاني ضعف الثقة، والنتيجة غالباً عكسية، زيادة اللجوء للسوق الموازية، اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، ارتفاع علاوة المخاطر، وهذا ما حدث في تجارب سابقة، حين أدت القيود إلى تنشيط السوق غير الرسمية بدل كبحها.
وينتهي في مجمل تحليله إلى حوصلة مفادها: هل هو إصلاح فعلاً؟ الإصلاح الاقتصادي لا يأتي بقرار واحد عادة يكون حزمة متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام، واصلاح الدعم.
تنويع الإيرادات
وشخص الدكتور ناصر الطوير الاقتصاد الليبي من واقع اعتماد ليبيا بشدة على النفط، وفرض ضرائب جمركية مرتفعة قد يهدف إلى تنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد الريعي، ورفع تكلفة الاستيراد قد يخفض الطلب على الدولار، وهو هدف محتمل في ظل أزمة سعر الصرف والضغوط على الاحتياطيات، كذلك الرسوم المرتفعة على الملابس، الأثاث، الأجهزة، وبعض المواد الاستهلاكية قد تمنح المنتج المحلي فرصة للمنافسة إذا كان موجودا محليا.
ويضيف: إن رفع الضريبة إلى 40% على التبغ مثلا يتماشى مع السياسات الصحية والمالية المتبعة عالميا، لكن المشكلة الجوهرية ليست في الفكرة، بل في التوقيت والسياق، فليبيا ليست اقتصادا إنتاجيا في الوقت الحاضر، بل تعتمد على الاستيراد في معظم السلع الاستهلاكية والإنتاجية، ورفع الضرائب هنا يعني عمليا ارتفاع مباشر في المستوى العام للأسعار، وهذا سيؤدي إلى زيادة معدل التضخم، وتآكل القوة الشرائية.
وفي ظل وجود ضعف في الدخل الحقيقي لدى معظم طبقات الشعب الليبي، يرى الطوير أن ذلك سيقود إلى ركود اقتصادي وضعف أداء القطاع الخاص، وبالتالي بطالة مرتفعة، حيث أي زيادة ضريبية غير مصحوبة بإصلاحات هيكلية أو حماية اجتماعية ستتحول إلى عبء تضخمي على المواطنين، حيث التجار في اقتصاد غير تنافسي غالبا ما يضيفون الضريبة بالكامل على السعر النهائي، وقد يضيفون هامش مضاربة إضافي، وهذا قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، كذلك كلما ارتفعت الرسوم الجمركية، زادت الحوافز للتهريب وتوسعت السوق الموازية.
ويخلص الطوير متسائلا: هل القرار في محله؟ يجيب: من حيث المبدأ: نعم، فتنويع الإيرادات وفرض ضرائب على السلع الكمالية أمر منطقي اقتصاديًا، ولكن من حيث التوقيت والبيئة، لا لأن الاقتصاد في حالة ركود، ولا توجد شبكة أمان اجتماعي فعالة، كذلك لا يوجد إنتاج محلي يعوض ارتفاع الاستيراد، انخفاض الثقة في المؤسسات منخفضة، أيضا الانقسام السياسي يضعف التنفيذ.
وأردف الطوير: في نظري، يستحسن البدء فقط بضرائب على التبغ، السيارات الفاخرة، الذهب والسلع الكمالية، مع تأجيل الضرائب على مدخلات الإنتاج، مواد البناء، السلع الاستهلاكية واسعة الانتشار، هذا يجب أن يقرن بحزمة إصلاحات، أهمها مكافحة التهريب، إصلاح منظومة الدعم، تحفيز الإنتاج المحلي، وبرنامج حماية اجتماعية للفئات الهشة.
أزمة أعمق
يرى الدكتور جمعة الفاخري أن المشهد الاقتصادي في ليبيا يظل مختلفًا، و بات يظهر أزمة أعمق من مجرد تقلبات في أسعار الصرف، ويعكس انفصال الاقتصاد الليبي عن المؤشرات الدولية، وخضوعه لعوامل داخلية بحتة إذ تتداخل فيه اختلالات السياسات الاقتصادية، وتجدر الاشارة هنا الى ان السياسات الاقتصادية تتمثل في ثلاث سياسات هي: السياسة النقدية وتتمثل في إدارة المعروض النقدي والفائدة يقوم بتنفيذها المصرف المركزي، ثم السياسة المالية والمتمثلة في إدارة الضرائب والإنفاق الحكومي وتنفذها وزارة المالية بالحكومة، واخرها السياسة التجارية والتي تشمل إدارة رسوم الجمارك والاتفاقيات التجارية وتنفذ من قبل وزارة الاقتصاد بالحكومة، تٌعد هذه السياسات الثلاثة السابقة الركيزة الأساسية لإدارة الاقتصاد الوطني وتعمل هذه السياسات معا مجتمعةً لتحقيق استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي، حيث تتدخل كل منها بأدوات مختلفة لتوجيه النشاط الاقتصادي.
يواصل الفاخري : في ليبيا إن ما يقوم به المصرف المركزي من استراتيجيات لحل الازمة باعتماده على السياسة النقدية منفرده يعكس مدى التخبط في الاستراتيجية التي ينتهجها في المعالجة ، ومن هذه الاستراتيجيات القيام بزيادة المعروض من النقد الاجنبي وفرض ضريبة النقد، ما ترتب على هذه الاستراتيجيات الخاطئة من تداعيات خطيرة على الاقتصاد الوطني، ويكمن الخطأ في الاستراتيجيات التي انتهجها المصرف المركزي في أولا الزيادة المفرطة وغير المنضبطة في المعروض من النقد الاجنبي حيث تجاوزت لأكثر من 20 مليار دولار سنويا ، في وقت تشير احصائيات البنك الدولي إلى أن احتياجات ليبيا من النقد الاجنبي تتراوح ما بين 5-7 مليار دولار سنويا، وثانيا فرض ضريبة على النقد الاجنبي بدون تشريع قانوني ولا دراسة اقتصادية رشيدة ، فهذه الاخطاء مجتمعه ألقت بظلها على الوضع الاقتصادي في ليبيا ، فعلي المستوى الفردي ارتفاع ملحوظ في اسعار المواد الاساسية (المواد الغذائية والملابس…الخ) مما اثقل كاهل المواطن وخاصة في شهر رمضان المبارك، وعلى المستوى الوطني سينتج عن هذه الاستراتيجيات المتخبطة تراجع لقيمة الدينار الليبي أمام العملات الاخرى لا سيما دول الجوار حيث ضعفت القوة الشرائية للدينار وزيادة معدل التضخم ما قد يترتب عليه من ارتفاع مستوى البطالة وما يؤدي ذلك الى مخاطر اقتصادية واجتماعية خطيرة.


