
فقدان البوصلة في الجلدية لم يعد مجرد ارتباكٍ عابر؛ بل تحوَّل إلى حالة عامة تتسع بصمت، وتبتلع المريض بين وعود براقة، وواقع سريري ضعيف، وبين من يمارس الطب كعلمٍ، ومَنْ يمارسه كواجهة تسويق، وبين تشخيص حقيقي يحتاج وقتًا وفهمًا عميقًا، وبين حلول سريعة تختصر كل شيء في جلسة، أو حقنة أو جهاز .. المشكلة لم تعد في الأمراض الجلدية بحد ذاتها؛ بل في المسار الذي يسلكه المريض للوصول إلى العلاج حين يصبح التخصَّص الدقيق مفتوحًا لكل من يملك جهازًا، أو شهادة غير معترف بها، أو حضورًا قويًا على وسائل التواصل الاجتماعي .. يتحوَّل الجلدُ من عضوٍ حيَّ معقد إلى مساحة تجريب بلا ضوابط، وهنا يبدأ الانحراف الحقيقي، الذي لا يراه المريضُ، إلا بعد فوات الآوان .. الطبيب غير المتمكن لا يُخطئ في اختيار الدواء فقط؛ بل يُخطئ في فهم الحالة من جذورها .. يخلط بين أمراض متشابهة في الشكل؛ مختلفة تمامًا في السبَّب .. يعالج «الأكزيما» على أنها عدوى فطرية؛ فيزيد الالتهاب ويعالج التصبغات، كحالة سطحية فيغفل أسبابها العميقة الهرمونية، أو الالتهابية، أو الدوائية، ويختزل حب الشباب في كونه مشكلة جلدية بسيطة، بينما هو في كثيرٍ من الحالات انعكاس لخَّلل هرموني، أو اضطراب مناعي أو نمط غذائي غير متوازن، أو حتى ضغط نفسي مزمن، وهنا تبدأ سلسلة الأخطاء التي تتراكم دون أن يشعر بها المريض. «كورتيزون» يستخدم دون ضوابط؛ فيخفي الأعراضَ مؤقتاً، لكنه يضعف بنية الجلد، ويؤدي إلى ترققه، وتمدَّده، وظهور أوعية دموية سطحية، ومشكلات يصعب عكسها .. مضادات حيوية تُعطى بلا حاجة حقيقية، فتخلق مقاومة بكتيرية، تجعل أبسط العدوى لاحقًا أكثر تعقيدًا، وأطول علاجًا .. جلسات تجميلية تستخدم لتغطية المشكلة بدل حلها، فيتم قمع المرض، وترك السبب فيستمر المرض في العمق؛ بينما يظهر تحسن شكليًا مؤقتًا، يخدع المريض، ويؤخر التشخيص الصحيح، ومع الوقت تتحوَّل هذه الأخطاء الصغيرة إلى مشكلة مركبة يصعب تفكيكها، لأن الجلد يتذكر كل تدخلٍ، ويتفاعل معه بطريقة تراكمية، لا يمكن تجاهلها. ثم يأتي المستوى الأخطر وهو الممارس المزيف، الذي لا يملكَ أساسًا علميًا، ولا تدريبًا سريريًا حقيقيًا، هذا لا يخطئ فقط؛ بل يعمل خارج إطار الطب من الأساس، لا يقرأ التاريخ المرضي، ولا يفرق بين الأنماط الجلدية، ولا يفهم التداخلات الدوائية، ولا يدرك متى يتوقف.. يرى المريض كفرصة تجارية، فيستخدم مواد مجهولة المصدر أو منخفضة الجودة، خلطات غير مدروسة، أجهزة غير مرخصة، بروتوكولات منسوخة من الإنترنت، أو من دورات سطحية، والنتيجة ليست مجرد فشل علاجي؛ بل أضرار حقيقية قد تكون دائمة، حروق كيميائية، أو حرارية، تصبغات عميقة، تليفات تحت الجلد، اضطراب في الحاجز الجلدي، فقدان التوازن الطبيعي للبشرة، وظهور مشكلات مزمنة، تحتاج سنوات من العلاج، وقد لا تعود البشرة بعدها إلى حالتها الأصلية أبداً.
الأخطر من ذلك أنَّ المريض في كثير من الأحيان، لا يدرك أن ما حدث له، كان نتيجة ممارسة خاطئة؛ بل يظن أن حالته صعبة بطبيعتها أو أن جلده، لا يستجيب للعلاج؛ بينما الحقيقة أنه لم يحصل على علاج صحيح منذ البداية، وهنا تتعمق دائرة فقدان البوصلة أكثر، لأن الخطأ يُبنى عليه خطأ آخر، والمريض ينتقل من مكان إلى آخر، دون أن يعود إلى نقطة الصفر الصحيحة، التي يبدأ منها التشخيص السليم.
المجتمع نفسه أصبح جزءاً من هذه الفوضى، حين ينجذب للإعلانات المبهرة، والصور قبل وبعد، التي لا تعكس الواقع، ويبحث عن السعر الأقل، والنتيجة الأسرع، ويثق في عبارات مثل : جلسة واحدة، ونتيجة فورية، ودون آثار جانبية؛ بينما الطب الحقيقي، لا يعمل بهذه الطريقة .. الطب لا يقدم وعودًا مطلقة؛ بل يقدم خطة علاجية مبنية على تقييم دقيق، ومتابعة مستمرة، وتدرج في التدخل؛ لأن الجلد ليس سطحًا ثابتًا، بل عضوًا ديناميكيًا يتأثر بالهرمونات، والمناعة والبيئة ونمط الحياة، وكل قرار علاجي يترك أثراً فيه.
بعض المراكز اليوم لم تعد تمارس الطب بل تمارس الإنتاج.. نفس الإجراءات لكل المرضى، نفس الحقن، نفس الأجهزة، نفس البروتوكولات، بغض النظر عن اختلاف الأسباب والتشخيصات، وهنا تضيع أهم ميزة في الطب، وهي التفصيل أي فهم الفروق الدقيقة بين حالة وأخرى، والتي على أساسها يُبنى نجاح العلاج أو فشله.
الطب الجلدي الحقيقي ليس جهازًا حديثًا ولا إعلانًا جذابًا، ولا شهادة معلقة على الجدار؛ بل هو منظومة متكاملة تقوم على ثلاثية لا يمكن تجاوزها، تشخيص دقيق مبني على فهم عميق للمرض، علم حقيقي محدث يعتمد على الأدلة، وخبرة سريرية طويلة تترجم هذا العلم إلى قرارات آمنة وفعالة. وأي خلَّل في هذه الثلاثية، يعني أن ما يحدث ليس علاجاً؛ بل مخاطرة قد يدفع ثمنها المريض لسنوات.
الجلد لا يغفر بسهولة؛ لأنه يسجل كل تدخل خاطئ، ويترجمه إلى أثر قد يكون دائماً .. الوعي اليوم لم يعد خيارًا؛ بل ضرورة، لأن فقدان البوصلة، لا يعني فقط تأخر الشفاء؛ بل قد يعني السير بثقة نحو ضرَّر أكبر تحت وهم العلاج، وكلما زاد الجهلُ زادتْ الكوارث، وكلما غاب التخصصُ الحقيقي، امتلأتْ العيادات بنتائج فاشلة، وكلما صمتنا أكثر أصبح المريض أول ضحية، وآخر مَنْ يدرك أنه لم يكن في رحلة علاج؛ بل في سلسلة تجارب على جلد حيَّ لا يحتمل الخطأ.



