تقارير

عندما يتحول الجلد من عضو حي معقد إلى مساحة تجريب بلا ضوابط

هدى الميلودي

فقدان‭ ‬البوصلة‭ ‬في‭ ‬الجلدية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ارتباكٍ‮ ‬عابر؛ بل‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬عامة‭ ‬تتسع‭ ‬بصمت،‮ ‬وتبتلع‭ ‬المريض‭ ‬بين‭ ‬وعود‭ ‬براقة،‮ ‬وواقع‭ ‬سريري‭ ‬ضعيف،‮ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يمارس‭ ‬الطب‭ ‬كعلمٍ،‮ ‬ومَنْ‭ ‬يمارسه‭ ‬كواجهة‭ ‬تسويق،‮ ‬وبين‭ ‬تشخيص‭ ‬حقيقي‭ ‬يحتاج‭ ‬وقتًا‭ ‬وفهمًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬وبين‭ ‬حلول‭ ‬سريعة‭ ‬تختصر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬جلسة،‭ ‬أو‭ ‬حقنة‭ ‬أو‭ ‬جهاز‭ ..‬‮ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬الأمراض‭ ‬الجلدية‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها؛ بل‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬يسلكه‭ ‬المريض‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬العلاج‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬التخصَّص‭ ‬الدقيق‭ ‬مفتوحًا لكل‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬جهازًا،‭ ‬أو‭ ‬شهادة‭ ‬غير‭ ‬معترف‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬حضورًا‭ ‬قويًا‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل الاجتماعي‭ ..‬‮ ‬يتحوَّل‭ ‬الجلدُ‭ ‬من‭ ‬عضوٍ‭ ‬حيَّ‭ ‬معقد‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬تجريب‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط،‮ ‬وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الانحراف‭ ‬الحقيقي،‮ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬المريضُ،‮ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الآوان‭ ..‬‮ ‬الطبيب‭ ‬غير‭ ‬المتمكن‭ ‬لا‭ ‬يُخطئ‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الدواء‭ ‬فقط؛ بل‭ ‬يُخطئ‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬جذورها‭ ..‬‮ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬أمراض‭ ‬متشابهة‭ ‬في‭ ‬الشكل؛ مختلفة‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬السبَّب‭ ‬‭..‬‮ ‬يعالج‭ ‬‮«‬الأكزيما‮»‬‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عدوى‭ ‬فطرية؛ فيزيد‭ ‬الالتهاب‭ ‬ويعالج‭ ‬التصبغات،‮ ‬كحالة‭ ‬سطحية‭ ‬فيغفل‭ ‬أسبابها‭ ‬العميقة‭ ‬الهرمونية،‭ ‬أو‭ ‬الالتهابية،‭ ‬أو‭ ‬الدوائية،‮ ‬ويختزل‭ ‬حب‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬مشكلة‭ ‬جلدية‭ ‬بسيطة،‮ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬انعكاس‭ ‬لخَّلل‭ ‬هرموني،‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬مناعي‭ ‬أو‭ ‬نمط‭ ‬غذائي‭ ‬غير‭ ‬متوازن،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬مزمن،‮ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬سلسلة‭ ‬الأخطاء التي‭ ‬تتراكم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬المريض‭.‬‮ ‬‮«‬كورتيزون‮»‬‭ ‬يستخدم‭ ‬دون‭ ‬ضوابط؛‮ ‬فيخفي‭ ‬الأعراضَ‭ ‬مؤقتاً،‮ ‬لكنه‭ ‬يضعف‭ ‬بنية‭ ‬الجلد،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ترققه،‮ ‬وتمدَّده،‭ ‬وظهور‭ ‬أوعية‭ ‬دموية‭ ‬سطحية،‮ ‬ومشكلات‭ ‬يصعب‭ ‬عكسها‭ ..‬‮ ‬مضادات‭ ‬حيوية‭ ‬تُعطى‭ ‬بلا‭ ‬حاجة‭ ‬حقيقية،‮ ‬فتخلق‭ ‬مقاومة‭ ‬بكتيرية،‮ ‬تجعل‭ ‬أبسط‭ ‬العدوى‭ ‬لاحقًا أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وأطول‭ ‬علاجًا‭ ..‬‮ ‬جلسات‭ ‬تجميلية‭ ‬تستخدم‭ ‬لتغطية‭ ‬المشكلة‭ ‬بدل‭ ‬حلها،‮ ‬فيتم‭ ‬قمع‭ ‬المرض،‮ ‬وترك‭ ‬السبب‭ ‬فيستمر‭ ‬المرض‭ ‬في‭ ‬العمق؛ بينما‭ ‬يظهر‭ ‬تحسن‭ ‬شكليًا‭ ‬مؤقتًا،‮ ‬يخدع‭ ‬المريض،‮ ‬ويؤخر‭ ‬التشخيص‭ ‬الصحيح،‮ ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬تتحوَّل‭ ‬هذه‭ ‬الأخطاء‭ ‬الصغيرة إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬مركبة‭ ‬يصعب‭ ‬تفكيكها،‮ ‬لأن‭ ‬الجلد‭ ‬يتذكر‭ ‬كل‭ ‬تدخلٍ،‮ ‬ويتفاعل‭ ‬معه‭ ‬بطريقة‭ ‬تراكمية،‮ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬المستوى‭ ‬الأخطر‭ ‬وهو‭ ‬الممارس‭ ‬المزيف،‮ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يملكَ‭ ‬أساسًا‭ ‬علميًا،‭ ‬ولا‭ ‬تدريبًا‭ ‬سريريًا‭ ‬حقيقيًا،‮ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يخطئ‭ ‬فقط؛ بل‭ ‬يعمل‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الطب‭ ‬من‭ ‬الأساس،‮ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬المرضي،‮ ‬ولا‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬الأنماط‭ ‬الجلدية،‮ ‬ولا‭ ‬يفهم‭ ‬التداخلات‭ ‬الدوائية،‮ ‬ولا‭ ‬يدرك‭ ‬متى‭ ‬يتوقف‭..‬‮ ‬يرى‭ ‬المريض‭ ‬كفرصة‭ ‬تجارية،‮ ‬فيستخدم‭ ‬مواد‭ ‬مجهولة‭ ‬المصدر‭ ‬أو‭ ‬منخفضة‭ ‬الجودة،‮ ‬خلطات‭ ‬غير‭ ‬مدروسة،‮ ‬أجهزة‭ ‬غير‭ ‬مرخصة،‮ ‬بروتوكولات‭ ‬منسوخة‭ ‬من‭ ‬الإنترنت،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دورات‭ ‬سطحية،‮ ‬والنتيجة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فشل‭ ‬علاجي؛ بل‭ ‬أضرار‭ ‬حقيقية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬دائمة،‮ ‬حروق‭ ‬كيميائية،‭ ‬أو‭ ‬حرارية،‮ ‬تصبغات‭ ‬عميقة،‮ ‬تليفات‭ ‬تحت‭ ‬الجلد،‮ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الحاجز‭ ‬الجلدي،‮ ‬فقدان‭ ‬التوازن‭ ‬الطبيعي‭ ‬للبشرة،‮ ‬وظهور‭ ‬مشكلات‭ ‬مزمنة،‮ ‬تحتاج‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العلاج،‮ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬البشرة‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬حالتها‭ ‬الأصلية‭ ‬أبداً‭.‬

الأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬المريض‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‮ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬له،‮ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬ممارسة‭ ‬خاطئة؛ بل‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬حالته‭ ‬صعبة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬جلده،‮ ‬لا‭ ‬يستجيب‭ ‬للعلاج؛ بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬علاج‭ ‬صحيح‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‮ ‬وهنا‭ ‬تتعمق‭ ‬دائرة‭ ‬فقدان‭ ‬البوصلة‭ ‬أكثر،‮ ‬لأن‭ ‬الخطأ‭ ‬يُبنى‭ ‬عليه‭ ‬خطأ‭ ‬آخر،‮ ‬والمريض‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‮ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الصفر‭ ‬الصحيحة،‮ ‬التي‭ ‬يبدأ‭ ‬منها‭ ‬التشخيص‭ ‬السليم‭.‬‮ ‬

المجتمع‭ ‬نفسه‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى،‮ ‬حين‭ ‬ينجذب‭ ‬للإعلانات‭ ‬المبهرة،‮ ‬والصور‭ ‬قبل‭ ‬وبعد،‮ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الواقع،‮ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬السعر‭ ‬الأقل،‮ ‬والنتيجة‭ ‬الأسرع،‮ ‬ويثق‭ ‬في‭ ‬عبارات‭ ‬مثل‭ :‬‭ ‬جلسة‭ ‬واحدة،‮ ‬ونتيجة‭ ‬فورية،‮ ‬ودون‭ ‬آثار‭ ‬جانبية؛ بينما‭ ‬الطب‭ ‬الحقيقي،‮ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ..‬‮ ‬الطب‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬وعودًا‭ ‬مطلقة؛ بل‭ ‬يقدم‭ ‬خطة‭ ‬علاجية‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬دقيق،‮ ‬ومتابعة‭ ‬مستمرة،‮ ‬وتدرج‭ ‬في‭ ‬التدخل؛ لأن‭ ‬الجلد‭ ‬ليس‭ ‬سطحًا‭ ‬ثابتًا،‮ ‬بل‭ ‬عضوًا‭ ‬ديناميكيًا‭ ‬يتأثر‭ ‬بالهرمونات،‮ ‬والمناعة‭ ‬والبيئة‭ ‬ونمط‭ ‬الحياة،‮ ‬وكل‭ ‬قرار‭ ‬علاجي‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬فيه‭.‬

بعض‭ ‬المراكز‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمارس‭ ‬الطب‭ ‬بل‭ ‬تمارس‭ ‬الإنتاج‭..‬‮ ‬نفس‭ ‬الإجراءات‭ ‬لكل‭ ‬المرضى،‮ ‬نفس‭ ‬الحقن،‮ ‬نفس‭ ‬الأجهزة،‮ ‬نفس‭ ‬البروتوكولات،‮ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬اختلاف‭ ‬الأسباب‭ ‬والتشخيصات،‮ ‬وهنا‭ ‬تضيع‭ ‬أهم‭ ‬ميزة‭ ‬في‭ ‬الطب،‮ ‬وهي‭ ‬التفصيل‭ ‬أي‭ ‬فهم‭ ‬الفروق‭ ‬الدقيقة‭ ‬بين‭ ‬حالة‭ ‬وأخرى،‮ ‬والتي‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬يُبنى‭ ‬نجاح‭ ‬العلاج‭ ‬أو‭ ‬فشله‭.‬

الطب‭ ‬الجلدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬جهازًا‭ ‬حديثًا‭ ‬ولا‭ ‬إعلانًا‭ ‬جذابًا،‮ ‬ولا‭ ‬شهادة‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬الجدار؛ بل‭ ‬هو‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها،‮ ‬تشخيص‭ ‬دقيق‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬للمرض،‮ ‬علم‭ ‬حقيقي‭ ‬محدث‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الأدلة،‮ ‬وخبرة‭ ‬سريرية‭ ‬طويلة‭ ‬تترجم‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬آمنة‭ ‬وفعالة‭.‬‮ ‬وأي‭ ‬خلَّل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثلاثية،‮ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬ليس‭ ‬علاجاً؛ بل‭ ‬مخاطرة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬المريض‭ ‬لسنوات‭.‬

الجلد‭ ‬لا‭ ‬يغفر‭ ‬بسهولة؛ لأنه‭ ‬يسجل‭ ‬كل‭ ‬تدخل‭ ‬خاطئ،‮ ‬ويترجمه‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬دائماً‭ ..‬‮ ‬الوعي‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا؛ بل‭ ‬ضرورة،‮ ‬لأن‭ ‬فقدان‭ ‬البوصلة،‮ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬تأخر‭ ‬الشفاء؛ بل‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬السير‭ ‬بثقة‭ ‬نحو‭ ‬ضرَّر‭ ‬أكبر‭ ‬تحت‭ ‬وهم‭ ‬العلاج،‮ ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬الجهلُ‭ ‬زادتْ‭ ‬الكوارث،‮ ‬وكلما‭ ‬غاب‭ ‬التخصصُ‭ ‬الحقيقي،‮ ‬امتلأتْ‭ ‬العيادات‭ ‬بنتائج‭ ‬فاشلة،‮ ‬وكلما‭ ‬صمتنا‭ ‬أكثر أصبح‭ ‬المريض‭ ‬أول‭ ‬ضحية،‮ ‬وآخر‭ ‬مَنْ‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬علاج؛ بل‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬تجارب‭ ‬على‭ ‬جلد‭ ‬حيَّ‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬الخطأ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى