رأي

أهل الهَوى…

علي باني

كانت‭ ‬مغامرتي‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭ “‬أم‭ ‬كلثوم‭” ‬حارةً،‭ ‬ملتهبةً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬عطلة‭ ‬صيف‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬الثانوية،‭ ‬ففي‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬السابقة‭ ‬كان‭ ‬شغلي‭ ‬الشاغل‭ ‬الاستماع‭ “‬لست‭ ‬الكُلّ‭” ‬وصوتها‭ ‬يملأ‭ ‬جنبات‭ ‬المصيف‭ ‬البلدي،‭ ‬طرباً‭ ‬وشجناً،‭ ‬وولهاً،‭ ‬وفرحاً‭ ‬وحزناً،‭ ‬أطراف‭ ‬النهار‭ ‬وآناء‭ ‬الليل‭.!‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ميكروفونات‭ ‬مسجلات‭ “‬البانوسينيك‭” ‬و‭”‬الفيليبس‭” ‬الموضوعة‭ ‬أغلبها‭ ‬على‭ ‬طاولات‭ ‬صغيرة‭ ‬أمام‭ ‬حجرات‭ ‬المصيف،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أشرطة‭ ‬الكاسيت‭ ‬الشهيرة‭.‬

أطرقت‭ ‬السمع‭ ‬كثيراً،‭ ‬لأغنية‭ ‬ظلّت‭ ‬تتردد‭ ‬عند‭ ‬جارنا،‭ ‬وهو‭ ‬يتمايل‭ ‬نشوةً‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬آهة‭ ‬من‭ ‬آهات‭ “‬السِتّ‭”.. ‬

بعدَ‭ ‬أيامٍ‭ ‬رأيتُ‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬انضمامي‭ ‬إلى‭ ‬نخبة‭ ‬الطرب‭ ‬الأصيل‭ ‬وتذوّق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الجمال،‭ ‬أول‭ ‬خطوات‭ ‬ذلكَ‭ ‬شراء‭ ‬شريط‭ ‬‮«‬كاسيت‮»‬‭ ‬للأغنية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتردد‭ ‬نغماتها‭ ‬لأيامٍ‭ ‬متتالية‭.‬

ذات‭ ‬صباح‭ ‬عزمتُ‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهمة،‭ ‬فكان‭ ‬لصاحب‭ ‬دكان‭ ‬بيع‭ ‬أشرطة‭ ‬موسيقية‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬بغداد‭ ‬المحطة‭ ‬الأولى‭ ‬وسألته‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭:‬

‭-‬عندك‭ ‬شريط‭ “‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الغرام‭” ‬لأمّ‭ ‬كلثوم؟

دون‭ ‬أن‭ ‬يلتفت‭ ‬نحوي،‭ ‬أجابني‭ ‬بحاجبيه‭ ‬بالنفي‭.‬

مستغرباً‭ ‬جهله‭ ‬بالموسيقى‭ ‬و‭”‬ست‭ ‬الكل‭” ‬خرجت‭ ‬منه‭ ‬متأففاً،‭ ‬مزهواً‭ ‬بثقافتي‭ ‬الموسيقية‭.‬

نفس‭ ‬الأمر‭ ‬تكرر‭ ‬مع‭ ‬أكثرِ‭ ‬من‭ ‬محلٍ،‭ ‬حتى‭ ‬عثرت‭ ‬على‭ ‬ضالتي‭ ‬المنشودة،‭ ‬عندما‭ ‬أصرّ‭ ‬بائع‭ ‬أشرطة‭ ‬موسيقية‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أغنية‭ ‬بذلك‭ ‬الاسم،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬العشرة‭ ‬سنوات‭ ‬الماضية‭ ‬منذ‭ ‬افتتاحه‭ ‬لهذا‭ ‬المحل‭! ‬وأردف‭ ‬قائلاً‭:‬

‭- ‬يا‭ ‬ولدي‭ ‬أكيد‭ ‬تقصد‭ ‬أغنية‭ “‬الأوّلة‭ ‬في‭ ‬الغرام‭”!‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قناعتي‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬نفس‭ ‬الأغنية‭ ‬المطلوبة،‭ ‬اشتريت‭ ‬نسخة‭ ‬منها‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬وعلى‭ ‬رشفات‭ ‬فنجان‭ ‬القهوة،‭ ‬تخيلناها‭ ‬كأس‭ ‬الندماء،‭ ‬كنت‭ ‬أردد‭ ‬بصوتٍ‭ “‬أقرج‭” ‬صحبة‭ ‬صوتٍ‭ ‬ملائكي،‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬شفتي‭ ‬صديقي‭ ‬في‭ ‬تذوق‭ ‬الطرب‭ ‬الأصيل‭ “‬عيسى‭ ‬الصاري‭” ‬وقد‭ ‬قاربت‭ ‬عروق‭ ‬رقبته‭ ‬أن‭ ‬تنفجر،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬جديّة‭ ‬لتقليد‭ “‬كوكب‭ ‬الشرق‭” ‬في‭ ‬آهاتها،‭ ‬مرددين‭ ‬معاً‭:‬

‭- ‬الأولة‭ ‬في‭ ‬الغرام‭ ‬والحب‭ ‬شبكوني‭ ‬بنظرة‭ ‬عين‭…!‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬اقتنعت‭ ‬بالاسم‭ ‬الصحيح‭ ‬للأغنية،‭ ‬وانضممت‭ ‬ونديمي‭ ‬إلى‭ ‬نادي‭ “‬أهل‭ ‬الهوى‭”‬

‭ ‬لكننا‭ ‬لم‭ ‬نترك‭ ‬مضاجعنا‭ ‬مثلهم،‭ ‬حتى‭ ‬تاريخه‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭…!‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى