
قبل نصف قرن، كان أجمل ما في العيد ذاك الإحساس العميق بالألفة الذي يملأ الأرواح قبل البيوت، كان للملابس الجديدة رونقها، ولعيدية الحلوى مذاقها الخاص. كانت المدن أصغر، والقلوب أقرب، والناس تعرف بعضهم بعضاً، فالحي بأكمله كان يتقاسم فرحة العيد معاً.
كنا أطفالاً نجوب الحي كله دون خوف، نُقبّل رؤوس الكبار في وجل، ونركض خلف ضحكاتنا الصغيرة في صباحات عابقة برائحة الشواء. كنا نرى أبواب البيوت تُترك نصف مفتوحة، والضيوف يدخلون بلا تكلف، فقد كان الفرح يُصنع من أشياء صغيرة بسيطة.
وحين يعود من عاشوا ذاك الزمن بذاكرتهم إلى عيد الأضحى، يحنّون إلى النسخةِ الأبسط من أنفسهم، وإلى زمنٍ كان العيد فيه مناسبة حقيقية للدفء الإنساني.
لقد رحلت أشياء كثيرة؛ تغيّرت المدن، وتبدّلت الأحوال، وكبرت البلاد، وتبقى تكبيرات العيد وحدها قادرة على فتح ذلك الباب القديم في الذاكرة… ذلك الباب الذي يخرج منه أطفال السبعينيات بثيابهم الجديدة، وعيونهم المليئة بالدهشة، يركضون في شوارع ليبيا التي كانت، ذات يوم، تشبه بيتاً واحداً كبيراً يتسع للجميع.


