رأي

التشظي السياسي في ليبيا وأثره على إقليم فزان

د. سالم الهمالي

دخلتْ‭ ‬ليبيا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬مرحلةً‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬العميقة،‭ ‬اتسمتْ‭ ‬بضعف‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وتعدد‭ ‬مراكز‭ ‬السلطة،‭ ‬وتنافس‭ ‬القوى‭ ‬العسكرية،‭ ‬والسياسية‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬والنفوذ‭. ‬وقد‭ ‬أفضى‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بحالة‭ )‬التشظي‭ ‬السياسي‭(‬؛‭ ‬حيث‭ ‬انقسمتْ‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بين‭ ‬حكومات‭ ‬وسلطات‭ ‬متنازعة،‭ ‬وانعكس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬إقليم‭ ‬فزان‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬كان‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بهذه‭ ‬الحالة؛‭ ‬نتيجة‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافي‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬مراكز‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬الدولة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعته‭ ‬الحدودية‭ ‬المفتوحة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬تعاني‭ ‬هشاشة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬وضعفًا‭ ‬تنمويًا،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬مصدرًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬لتدفقات‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬وأنشطة‭ ‬التهريب،‭ ‬والجريمة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬سنة‭ ‬2012‭ ‬شهدتْ‭ ‬بوادر‭ ‬واعدة‭ ‬لبناء‭ ‬دولة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬فبراير،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتخابات‭ ‬نزيهة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬وما‭ ‬انبثق‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬حاولت‭ ‬إنعاش‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬واستعادة‭ ‬دورها،‭ ‬فإن‭ ‬الأحداث‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انتكست،‭ ‬لتدخل‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مسارٍ‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬والصراع‭ ‬تجاوز‭ ‬أكثر‭ ‬التوقعات‭ ‬تشاؤمًا،‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬مسلحة‭ ‬متكرّرة‭ ‬وعجز‭ ‬مستمر‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬موحدة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬وظائفها‭ ‬الأساسية‭. ‬

لقد‭ ‬قامت‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬الحديثة،‭ ‬منذ‭ ‬نشأتها‭ ‬بقرار‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وإعلان‭ ‬المملكة‭ ‬الليبية‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التاريخية‭ ‬لأقاليمها‭ ‬الثلاثة‭: )‬طرابلس،‭ ‬وبرقة،‭ ‬وفزان‭(. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬ولايات‭ ‬تتمتع‭ ‬بمجالس‭ ‬تشريعية‭ ‬وحكومات‭ ‬تنفيذية‭ ‬حتى‭ ‬توحيد‭ ‬النظام‭ ‬الإداري‭ ‬للدولة‭ ‬عام‭ ‬1963‭ ‬خلال‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭. ‬ثم‭ ‬تعززتْ‭ ‬مركزية‭ ‬الدولة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬سبتمبر؛‭ ‬حيث‭ ‬تركزت‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬واحدة‭ ‬بطرابلس،‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بمعادلة‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬والأطراف‮»‬‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬سنة‭ ‬2011‭ ‬كشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية،‭ ‬وأظهر‭ ‬أن‭ ‬استقرارها‭ ‬وبقاءها‭ ‬يرتبطان‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬ثلاث‭ ‬وظائف‭ ‬رئيسة‭: ‬احتكار‭ ‬العنف‭ ‬المشروع،‭ ‬وتقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬بصورة‭ ‬عادلة‭. ‬وعندما‭ ‬تفشل‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬بهذه‭ ‬المهام،‭ ‬تتزايد‭ ‬فرص‭ ‬ظهور‭ ‬فاعلين‭ ‬غير‭ ‬رسميين‭ ‬يحلون‭ ‬محل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الشرعية‭ ‬أو‭ ‬ينازعونها‭ ‬أدوارها‭ ‬واختصاصاتها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الواقع‭ ‬الليبي‭ ‬الراهن؛‭ ‬إذ‭ ‬أدى‭ ‬تراجع‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬تشكيلات‭ ‬مسلحة‭ ‬تعمل‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬دون‭ ‬امتثال‭ ‬كامل‭ ‬له،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬مزايا‭ ‬ونفوذ‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقوق‭ ‬الآخرين‭. ‬وبينما‭ ‬انشغلتْ‭ ‬القوى‭ ‬المتصارعة‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والثروة‭ ‬في‭ ‬المركز،‭ ‬تُركتْ‭ ‬الأطراف‭ ‬لمواجهة‭ ‬مصيرها،‭ ‬وكان‭ ‬إقليم‭ ‬فزان‭ ‬النموذج‭ ‬الأوضح‭ ‬لهذه‭ ‬الحالة‭.‬

فقد‭ ‬شهد‭ ‬الإقليم‭ ‬تراجعًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬الدولة،‭ ‬تجسد‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬عصابات‭ ‬الجريمة‭ ‬والنهب،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬وتدهور‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ )‬كهرباء‭ ‬ومياه‭ ‬وصحة‭ ‬وتعليم‭(. ‬كما‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬آلاف‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬نحو‭ ‬مدن‭ ‬الساحل‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬وفرص‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة‭. ‬ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬قسوة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قورن‭ ‬بحقيقة‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬ليبيا‭ ‬النفطي‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬حقول‭ ‬الجنوب،‭ ‬وأن‭ ‬آبار‭ ‬مياه‭ )‬الحمادة‭ ‬وجبل‭ ‬الحساونة‭( ‬تشكل‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيس‭ ‬لتغذية‭ ‬منظومة‭ ‬النهر‭ ‬الصناعي‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬معظم‭ ‬المدن‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬لبلاد‭.‬

وقد‭ ‬انعكس‭ ‬انقسام‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬بصورة‭ ‬أشد‭ ‬وضوحًا‭ ‬في‭ ‬الجنوب؛‭ ‬حيث‭ ‬تنامى‭ ‬شعور‭ ‬سكان‭ ‬فزان‭ ‬بأنهم‭ ‬خارج‭ ‬معادلة‭ ‬صُنع‭ ‬القرار‭ ‬الوطني،‭ ‬وأن‭ ‬الإقليم‭ ‬لا‭ ‬يُستدعى‭ ‬إلا‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬موارده‭ ‬الطبيعية،‭ ‬أو‭ ‬موقعه‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقابل‭ ‬ذلك‭ ‬اهتمام‭ ‬حقيقي‭ ‬باحتياجاته‭ ‬التنموية‭ ‬والخدمية‭. ‬وأدى‭ ‬الفراغ‭ ‬الأمني‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬أحداث‭ ‬بالغة‭ ‬السوء‭ ‬بلغتْ‭ ‬ذروتها‭ ‬خلال‭ ‬عامي‭ ‬2017‭ ‬و2018،‭ ‬عندما‭ ‬تحوّلتْ‭ ‬مدينة‭ ‬سبها‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬مفتوح‭ ‬ألحق‭ ‬دمارًا‭ ‬واسعًا‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمرافق‭ ‬العامة،‭ ‬وأثر‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬وأمنهم‭ ‬واستقرارهم‭.‬

ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬أدرك‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬عقلاء‭ ‬الجنوب‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬ليبيا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬بانتصار‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬آخر،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬حقيقي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستوعب‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬البلاد‭ ‬وأقاليمها‭. ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬ومسارات‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬التشظي‭ ‬السياسي،‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬التجزئة،‭ ‬أو‭ ‬التقسيم،‭ ‬وتحافظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬ومصالح‭ ‬مواطنيها

‭ ‬إن‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬وتشكيل‭ ‬مؤسساتها‭ ‬المستقبلية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتجاهل‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬لإقليم‭ ‬فزان،‭ ‬ليس‭ ‬باعتباره‭ ‬طرفًا‭ ‬هامشيًا‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أعمدتها‭ ‬الأساسية‭. ‬فكل‭ ‬تصور‭ ‬واقعي‭ ‬للدولة‭ ‬الليبية‭ ‬القادمة،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شكله‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الإداري،‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بمكانة‭ ‬فزان‭ ‬ووظيفته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الليبية‭.‬

فالاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة،‭ ‬ويقع‭ ‬جزءٌ‭ ‬مهم‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬حدودها‭ ‬الطويلة،‭ ‬وهي‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬تتمركز‭ ‬تحدياتها‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬فزان؛‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬قضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬والتهريب‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة‭ ‬مع‭ ‬اعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والإقليمي،‭ ‬بل‭ ‬والأوروبي‭ ‬كذلك‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬ضمان‭ ‬استقرار‭ ‬ليبيا‭ ‬وحماية‭ ‬ثرواتها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقَّقا‭ ‬عبر‭ ‬الحلول‭ ‬الأمنية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رؤية‭ ‬تنموية‭ ‬شاملة‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للجنوب،‭ ‬وتوفر‭ ‬لسكانه‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬والاستثمار‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتمنحهم‭ ‬مشاركة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭. ‬ففزان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خزان‭ ‬للموارد،‭ ‬أو‭ ‬بوابة‭ ‬حدودية‭ ‬للدولة،‭ ‬بل‭ ‬شريك‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬بنائها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬وأحد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الرئيسة‭ ‬لإنجاح‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الانقسام‭ ‬واستعادة‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬الموحدة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى