

في مجتمع ما زالت بعض قضاياه الحساسة تناقش همسًا، يعود ملف الفحص الطبي قبل الزواج إلى الواجهة باعتباره قضية تمس استقرار الأسرة ومستقبلها. فبين إجراء قانوني إلزامي، وواقع اجتماعي يخشى المصارحة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية هذا الفحص، وما إذا كان يؤدي دوره الحقيقي أم تحول في كثير من الحالات إلى مجرد خطوة إدارية تُستكمل ضمن إجراءات الزواج.
ويؤكد وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية لشؤون الفروع، الأستاذ فرج عبد الكريم مجاهد، أن الفحص الطبي قبل الزواج، رغم إلزاميته وفق القانون رقم 31 لسنة 2008، فقد جزءًا كبيرًا من فاعليته بسبب ثغرات قانونية تسمح بإتمام الزواج حتى في حال وجود نتائج صحية مقلقة، طالما وافق الطرفان على ذلك. ويرى أن هذا الواقع جعل الفحص أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى أداة لحماية الأسرة من مشكلات يمكن تفاديها منذ البداية.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، تعمل الوزارة على تعزيز الجانب التوعوي من خلال ربط منحة الزواج بحضور دورات تأهيلية، مع التوجه نحو إدراج جلسات متخصصة للمصارحة الصحية، تضمن فهم نتائج الفحوصات وآثارها المستقبلية بدلاً من الاكتفاء باستلام التقارير الطبية.
غير أن المشكلة لا تقف عند حدود القانون. فبحسب مختصين، يظل العامل الاجتماعي أحد أبرز العوائق أمام نجاح ثقافة المصارحة. إذ لا يزال كثيرون ينظرون إلى بعض الأمراض باعتبارها وصمة يجب إخفاؤها، خوفًا من رفض الطرف الآخر أو من أحكام المجتمع.
وفي هذا الإطار برزت مبادرة «ميثاق الأمان الأسري» التي طُرحت خلال ندوة علمية بمدينة الزاوية، بهدف توسيع مفهوم الفحص قبل الزواج ليشمل الجوانب الصحية والنفسية والقانونية والدينية. وترى الأستاذة نعيمة سلامة، رئيس لجنة الندوة، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص القوانين فقط، بل في تغيير الثقافة السائدة التي تفضل الصمت على المواجهة، رغم ما قد يترتب على ذلك من أضرار مستقبلية.
من الناحية القانونية، تؤكد المستشارة القانونية أ.د. ناجية العطراق أن الزواج يقوم على مبدأ الرضا الكامل والمستنير، وأن إخفاء مرض مؤثر عن الطرف الآخر قد يُعد تدليسًا يمس جوهر العقد. وتشير إلى أن التشريعات الليبية تتيح طلب فسخ الزواج في بعض الحالات التي يثبت فيها وجود ضرر أو إخفاء متعمد لمعلومات جوهرية، مؤكدة أن الحق في سرية المعلومات الصحية لا يمكن أن يكون مبررًا للإضرار بالآخرين.
أما على المستوى الاجتماعي، فتوضح د. عائشة التاورغي أن ثقافة «العيب» ما زالت تدفع البعض إلى تجنب الحديث عن المشكلات الصحية قبل الزواج، رغم أن الثقة والوضوح يمثلان أساس أي علاقة مستقرة. وتؤكد أن الأسر التي تُبنى على الإخفاء تواجه غالبًا أزمات عميقة عند ظهور الحقائق لاحقًا، ما يؤدي إلى فقدان الثقة وتهديد استقرار الحياة الزوجية.
الأطباء بدورهم يحذرون من خطورة التعامل مع الفحص الطبي باعتباره إجراءً شكليًا. وتوضح د. عائشة الشريف أن بعض الأمراض الوراثية أو المعدية قد لا تظهر أعراضها في المراحل الأولى، لكنها قد تترك آثارًا صحية خطيرة على الزوجين أو الأبناء مستقبلًا. وتؤكد أن المشكلة ليست في وجود المرض بحد ذاته، فالكثير من الحالات يمكن التعايش معها أو علاجها، بل في إخفائه أو تجاهله وعدم التعامل معه بشفافية منذ البداية.
ويجمع المختصون على أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى تداعيات صحية واجتماعية واقتصادية متعددة، من بينها زيادة معدلات انتقال بعض الأمراض الوراثية والمعدية، وارتفاع نسب الخلافات والطلاق الناتجة عن اكتشاف معلومات مخفية بعد الزواج، إضافة إلى الأعباء المالية المترتبة على العلاج والرعاية الصحية.
ويرى خبراء أن الحل يبدأ من تطوير التشريعات المنظمة للفحص الطبي قبل الزواج، وتعزيز برامج التوعية المجتمعية، وتحويل الفحص من مجرد ورقة رسمية إلى فرصة حقيقية للحوار والمصارحة والمسؤولية المشتركة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بإجراء إداري أو توقيع على نموذج طبي، بل بمستقبل أسرة كاملة. فالمصارحة الصحية ليست مصدرًا للحرج أو الخوف، بل حق للطرفين وأساس لعلاقة تقوم على الثقة والوضوح. وبين الصمت والحقيقة، يبقى السؤال مطروحًا: هل نواجه الواقع منذ البداية، أم نتركه يتحول إلى أزمة بعد فوات الأوان؟.


