مرايا

خلف الشاشات.. حين تتحوَّل الشهـرة إلى فخ .. (طيحنا فيهم باللايكات)

فائزة العجيلي

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه أو تبادل الأخبار والصور، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء واسع لصناعة الشهرة والتأثير وتشكيل الرأي العام. ومع اتساع دائرة استخدام هذه المنصات وازدياد أعداد صناع المحتوى والمؤثرين، برزت ظواهر جديدة فرضت نفسها على المجتمعات، بعضها أسهم في نشر المعرفة والتوعية وتعزيز التواصل، بينما أثار بعضها الآخر مخاوف متزايدة بسبب احتمالات استغلال الثقة التي يمنحها الجمهور للشخصيات الرقمية.
وخلال الأيام الماضية، أعادت قضية متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تتعلق باستدراج إحدى الفتيات، وما صاحبها من جدل واسع حول بعض الشخصيات النشطة في مجال صناعة المحتوى، فتح النقاش مجدداً حول حدود الثقة التي يمنحها الجمهور للمشاهير والمؤثرين عبر الإنترنت. ورغم أن التفاصيل النهائية للقضية ما تزال رهينة التحقيقات والإجراءات القانونية المختصة، فإن حجم التفاعل الشعبي الذي رافقها كشف عن حالة قلق حقيقية لدى المجتمع تجاه النفوذ المتنامي لبعض الحسابات الرقمية التي استطاعت بناء قاعدة جماهيرية واسعة خلال فترة زمنية قصيرة.
ويرى مختصون في الإعلام الرقمي أن الإشكالية لا تكمن في المحتوى بحد ذاته، بل في طبيعة العلاقة التي تتشكل بين المتابع وصاحب المحتوى. فالمشاهدة اليومية والتفاعل المستمر والإعجابات والتعليقات قد تخلق شعوراً بالألفة والثقة، رغم أن العلاقة الواقعية بين الطرفين تكاد تكون معدومة. ومع مرور الوقت، يتحول بعض المؤثرين في نظر متابعيهم إلى شخصيات موثوقة أو نماذج يُحتذى بها، الأمر الذي يمنحهم قدرة كبيرة على التأثير في القناعات والسلوكيات والقرارات الشخصية، خاصة لدى فئة الشباب وصغار السن.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تُمنح الثقة دون تدقيق أو تحقق، أو عندما تُربط الشهرة بالمصداقية والأخلاق، في حين أن عدد المتابعين لا يمكن أن يكون معياراً للحكم على الأشخاص، أو النوايا، أو السلوكيات.
ويلاحظ متابعون أن بعض الحسابات الرقمية تستثمر في مخاطبة الجمهور الليبي عبر استخدام اللهجة المحلية أو إظهار الاهتمام بالشأن الليبي والتأكيد المتكرر على الارتباط بالهوية الوطنية. ويحقَّق هذا الخطاب تفاعلاً كبيراً نتيجة الحس الوطني لدى الليبيين وحرصهم على دعم كل من يقترب من ثقافتهم، أو يتحدث بلغتهم اليومية. إلا أن المختصين يحذرون من الخلط بين الخطاب العاطفي والمصداقية، مؤكدين أن الانتماء المعلن أو الكلمات المؤثرة لا تكفي لبناء الثقة، وأن التعامل مع المحتوى الرقمي يجب أن يظل قائماً على الوعي والتقييم الموضوعي والتحقق من المعلومات.
وفي هذا السياق يؤكد د. علي فرج، المستشار الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية، أن مواجهة مخاطر الاستغلال الرقمي تتطلب تكاتف جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية، مشيراً إلى أن هذه الجهات تشكل خط الدفاع الأول في تعزيز الوعي الرقمي وحماية الشباب من التضليل والاستغلال عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الأسرة تتحمل مسؤولية المتابعة والتوجيه والإرشاد، بينما تمثل المدرسة شريكاً أساسياً في دعم هذا الدور من خلال غرس قيم الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيات الحديثة. كما تلعب وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والمنابر التوعوية دوراً محورياً في نشر الثقافة الرقمية وتعزيز قدرة الشباب على التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل.
وأشار د. فرج إلى أن عديد الشباب وقعوا ضحايا للاستغلال، أو التضليل نتيجة الاستخدام غير الواعي لمنصات التواصل الاجتماعي.
مؤكداً أن الوعي الرقمي يمثل السد الأول والحصن المنيع أمام محاولات التأثير السلبي والانحراف الفكري والسلوكي. وأضاف أن حماية الشباب ليستْ مسؤولية فردية، بل مسؤولية مجتمعية مشتركة تستوجب تنسيق الجهود بين مختلف المؤسسات، باعتبار أن الشبابَ هم عماد الوطن ومستقبله.
تأتي هذه التحذيرات في وقتٍ يشهد فيه العالم تدفقًا غير مسبوق للمعلومات والشائعات عبر المنصات الرقمية، الأمر الذي يجعل من الضروري تعزيز ثقافة التحقَّق من الأخبار وعدم الانجرار وراء الروايات غير المؤكدة، أو الأحكام المسبقة، مع ترك المجال للجهات المختصة للقيام بدورها في كشف الحقائق وإظهار نتائج التحقيقات.
وفي ظل التحوَّلات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لبناء مجتمع رقمي واعٍ يدرك أن الشهرة لا تعني بالضرورة النزاهة، وأن التأثير الواسع لا يساوي المصداقية. فليس كل مشهور قدوة، وليس كل مؤثر جديرًا بالثقة. وفي زمن أصبحت فيه الشهرة تُصنع بضغطة زر، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول للمجتمع، والضمانة الحقيقية لحماية أفراده من الوقوع في فخاخ العالم الرقمي المتجدَّدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى