سجلاتقضية العدد

لا‭ ‬تجعلوا‭ ‬البحر‭ ‬مقبرة‭ ‬للصيف

اسماء الشواري

مع‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬تتكرر‭ ‬المأساة،‭ ‬وتتكرر‭ ‬معها‭ ‬مشاهد‭ ‬الفقد‭ ‬التي‭ ‬تمزق‭ ‬قلوب‭ ‬الأسر‭. ‬شباب‭ ‬وأطفال‭ ‬وربما‭ ‬عائلات‭ ‬بأكملها‭ ‬يخرجون‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الترفيه،‭ ‬لكن‭ ‬بعضهم‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلا‭ ‬محمولًا‭ ‬على‭ ‬الأكتاف‭.‬

المؤلم‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬الغرق‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬الشواطئ‭ ‬المجهزة‭ ‬أو‭ ‬الخاضعة‭ ‬للرقابة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬شواطئ‭ ‬مفتوحة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أبسط‭ ‬مقومات‭ ‬السلامة،‭ ‬ورغم‭ ‬التحذيرات‭ ‬المتكررة،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬البعض‭ ‬يستهين‭ ‬بخطورة‭ ‬ارتيادها،‭ ‬وكأن‭ ‬البحر‭ ‬يمنح‭ ‬الجميع‭ ‬فرصة‭ ‬ثانية‭.‬

البحر‭ ‬ليس‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭. ‬فالتيارات‭ ‬البحرية‭ ‬تتغير،‭ ‬وتضاريس‭ ‬القاع‭ ‬تتبدل‭ ‬بفعل‭ ‬عوامل‭ ‬طبيعية‭ ‬متعددة،‭ ‬منها‭ ‬العواصف‭ ‬والتعرية،‭ ‬وقد‭ ‬تتأثر‭ ‬أيضًا‭ ‬بالنشاط‭ ‬الزلزالي‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬متفرقة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواقع‭ ‬انخفاضات‭ ‬عميقة‭ ‬وتيارات‭ ‬سحب‭ ‬خفية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يدركها‭ ‬السباح‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬بعض‭ ‬الشواطئ،‭ ‬آمنة‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تُغرق‭ ‬أحدًا‭ ‬في‭ ‬السابق”‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬اعتقادًا‭ ‬خطيرًا‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬بالأمس‭ ‬شاطئًا‭ ‬هادئًا‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬اليوم‭ ‬مكانًا‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭ ‬بسبب‭ ‬تغير‭ ‬طبيعة‭ ‬القاع‭ ‬وحركة‭ ‬المياه‭.‬

إن‭ ‬الأرواح‭ ‬أغلى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُغامر‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الاستجمام‭. ‬فلا‭ ‬بطولة‭ ‬في‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المحظورة،‭ ‬ولا‭ ‬شجاعة‭ ‬في‭ ‬تجاهل‭ ‬لوحات‭ ‬التحذير،‭ ‬ولا‭ ‬متعة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬تعيشها‭ ‬أسرة‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭.‬

إن‭ ‬مسؤولية‭ ‬السلامة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المواطن‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬فاختيار‭ ‬الشواطئ‭ ‬المجهزة،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالإرشادات،‭ ‬وعدم‭ ‬المجازفة‭ ‬أثناء‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأمواج‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬غير‭ ‬المعروفة،‭ ‬ومراقبة‭ ‬الأطفال‭ ‬وعدم‭ ‬تركهم‭ ‬بمفردهم،‭ ‬كلها‭ ‬إجراءات‭ ‬بسيطة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬يوم‭ ‬سعيد‭ ‬وخبر‭ ‬حزين‭.‬

فلنجعل‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬موسمًا‭ ‬للراحة‭ ‬والذكريات‭ ‬الجميلة،‭ ‬لا‭ ‬موسمًا‭ ‬للفقد‭ ‬والعزاء‭. ‬واحترام‭ ‬البحر‭ ‬ليس‭ ‬خوفًا‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬إدراكٌ‭ ‬لقوته،‭ ‬وحفاظٌ‭ ‬على‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬نملك‭ ‬و‭ ‬ارواح‭ ‬من‭ ‬نحب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى