ثقافة

‭ ‬دراما‭ ‬اللون‭ ‬والرمز‭..‬ في‭ ‬المنجز‭ ‬البصري‭ ‬للفنان‭ ‬الليبي‭ ‬ربيع‭ ‬الطلحي ‭ ‬بين‭ ‬ظلال‭ ‬الجبل‭ ‬وأسئلة‭ ‬الوجود

مفتاح‭ ‬ميلود

من‭ ‬رحم‭ ‬طبيعة‭ ‬الجبل‭ ‬الأخضر،‭ ‬تتشابك‭ ‬الظلال‭ ‬مع‭ ‬الضوء‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬درامية‭ ‬مهيبة،‭ ‬تنبثق‭ ‬تجربة‭ ‬الفنان‭ ‬التشكيلي‭ ‬ربيع‭ ‬خليفة‭ ‬الطلحي‭ ‬لتقدم‭ ‬سردية‭ ‬بصرية‭ ‬بالغة‭ ‬العمق،‭ ‬تغوص‭ ‬بشجاعة‭ ‬في‭ ‬المكونات‭ ‬النفسية‭ ‬والفلسفية‭ ‬للإنسان‭. ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬لوحات‭ ‬الطلحي‭ ‬يدرك‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬فنان‭ ‬مسكون‭ ‬بأسئلة‭ ‬الوجود،‭ ‬ومهموم‭ ‬بتفكيك‭ ‬العزلة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وصراعات‭ ‬الذات،‭ ‬مقدمًا‭ ‬إياها‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬تشكيلية‭ ‬تتسم‭ ‬بالرصانة‭ ‬والجرأة‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحدٍ‭.‬

خشبة‭ ‬اللوحة‭ ‬وسينوغرافيا‭ ‬الروح

ريشة‭ ‬ربيع‭ ‬ليستْ‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬عشقه‭ ‬للخشبة،‭ ‬فقد‭ ‬انعكس‭ ‬اشتغاله‭ ‬العميق‭ ‬والمكثف‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬السينوغرافيا‭ ‬للمسرحيات‭ ‬في‭ ‬الجبل‭ ‬الأخضر‭ ‬على‭ ‬فضاءاته‭ ‬التصويرية‭ ‬بشكل‭ ‬جلي،‭ ‬تتحوَّل‭ ‬اللوحة‭ ‬لديه‭ ‬إلى‭ ‬خشبة‭ ‬مسرح‭ ‬صامتة،‭ ‬مشبعة‭ ‬بإضاءة‭ ‬درامية‭ ‬موجهة‭ ‬بعناية‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬بؤرة‭ ‬الشعور‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬التشكيلي،‭ ‬تتخذ‭ ‬العناصر‭ ‬كـ‭)‬الأقنعة‭ ‬المتناثرة،‭ ‬المفاتيح‭ ‬الطافية،‭ ‬الكرات‭ ‬المضيئة،‭ ‬والتفاحات‭(‬،‭ ‬أدوارًا‭ ‬تشبه‭ ‬قطع‭ ‬الديكور‭ ‬المسرحي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬عبثًا،‭ ‬إذ‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬دراما‭ ‬نفسية‭ ‬تروي‭ ‬قصة‭ ‬الاغتراب،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬منافذ‭ ‬للخلاص،‭ ‬أو‭ ‬أبواب‭ ‬سرية‭ ‬للولوج‭ ‬إلى‭ ‬اللاشعور‭.‬

امتداد‭ ‬الأثر‭ .. ‬تعبيرية‭ ‬أزعيترة‭ ‬وسريالية‭ ‬شعيب

هذا‭ ‬النضج‭ ‬البصري،‭ ‬والدرامي‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬ربيع‭ ‬الطلحي‭ ‬هو‭ ‬امتدادٌ‭ ‬أصيل‭ ‬لجيل‭ ‬الرواد‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬منطقته،‭ ‬إذ‭ ‬يمثل‭ ‬فنه‭ ‬جسرًا‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬إرث‭ ‬فني‭ ‬محلي‭ ‬أصيل‭ ‬ورؤية‭ ‬حداثية‭ ‬معاصرة،‭ ‬لقد‭ ‬تشرب‭ ‬خليفة‭ ‬رحيق‭ ‬المدرسة‭ ‬التعبيرية‭ ‬من‭ ‬قامة‭ ‬فنية‭ ‬كبيرة‭ ‬بحجم‭ ‬الفنان‭ ‬الراحل‭ ‬‮«‬فرج‭ ‬أزعيترة‮»‬،‭ ‬مستلهماً‭ ‬منه‭ ‬تلك‭ ‬الجرأة‭ ‬الانفعالية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬اللون،‭ ‬وضربات‭ ‬الفرشاة‭ ‬العريضة‭ ‬والمشحونة‭ ‬بالطاقة‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الانكسارات‭ ‬النفسية‭ ‬وثقل‭ ‬الوحدة‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬يحلق‭ ‬بعيدًا‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬الحلم‭ ‬متأثرًا‭ ‬بعوالم‭ ‬الفنان‭ ‬الراحل‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬العالي‭ ‬شعيب‮»‬،‭ ‬ليغترف‭ ‬من‭ ‬مدرسته‭ ‬السريالية‭ ‬تلك‭ ‬القدرة‭ ‬الفذة‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬المتناقضات،‭ ‬وابتكار‭ ‬واقع‭ ‬علوي‭ ‬يحرَّر‭ ‬الأشكالَ‭ ‬من‭ ‬منطقها‭ ‬المألوف‭ ‬ليحملها‭ ‬دلالات‭ ‬رمزية‭ ‬عميقة‭.‬

الأقنعة‭ ‬وتفكيك‭ ‬الهوية

تتضافر‭ ‬التعبيرية‭ ‬والسريالية‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬ربيع‭ ‬الطلحي‭ ‬لتنتج‭ ‬لغة‭ ‬بصرية‭ ‬متفردة،‭ ‬نرى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬استخدامه‭ ‬المتكرَّر‭ ‬لثيمة‭ ‬‮«‬القناع‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬كتجسيد‭ ‬صارخ‭ ‬لثنائية‭ ‬الظاهر‭ ‬والباطن،‭ ‬وتمزق‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

الوجوه‭ ‬لديه‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تظهر‭ ‬ممسوحة،‭ ‬أو‭ ‬مجزأة‭ ‬بخطوط‭ ‬هندسية‭ ‬حادة‭ ‬تعكس‭ ‬التشظي‭ ‬الداخلي،‭ ‬أو‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬السبات‭ ‬العميق‭ ‬كأنها‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬رحابة‭ ‬الرؤى‭ ‬الداخلية‭.‬

قصائد‭ ‬بصرية‭ ‬ومسرح‭ ‬بلا‭ ‬كلمات

ربيع‭ ‬الطلحي،‭ ‬يُشرع‭ ‬أمامنا‭ ‬أبوابًا‭ ‬للتأمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مزجه‭ ‬المتقن‭ ‬بين‭ ‬الانفعال‭ ‬التعبيري‭ ‬‮«‬لأزعيترة‮»‬،‭ ‬والخيال‭ ‬السريالي‭ ‬‮«‬لشعيب‮»‬،‭ ‬وخبرته‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الفضاء‭ ‬السينوغرافي،‭ ‬ينجح‭ ‬الطلحي‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجبل‭ ‬الأخضر‭ ‬وروح‭ ‬المسرح‭ ‬إلى‭ ‬قصائد‭ ‬بصرية‭ ‬ونص‭ ‬درامي‭ ‬مفتوح،‭ ‬يستفز‭ ‬عقل‭ ‬المتلقي‭ ‬ويدعوه‭ ‬لاكتشاف‭ ‬ما‭ ‬تخبئه‭ ‬الروحُ‭ ‬الإنسانية‭ ‬خلف‭ ‬أقنعتها‭ ‬المتعدَّدة‭. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى