مرايا

حين يتكلم البيت بلسان الطفل 

آمال سلام      

‮                                                                             ‬‭ ‬‮                                                            ‬‭ ‬لا‭ ‬يثير‭ ‬قلق‭ ‬الأسرة‭ ‬شيءٌ‭ ‬بقدر‭ ‬اكتشاف‭ ‬أن‭ ‬طفلها‭ ‬يروي‭ ‬للآخرين‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬داخل‭ ‬المنزل،‭ ‬فيظن‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬تمرد‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬تربية‭ ‬يستوجب‭ ‬العقاب‭. ‬لكنّ‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬غالباً‭ ‬لا‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬نية‭ ‬سيئة،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬فيها‭ ‬إدراك‭ ‬الطفل‭ ‬لمعنى‭ ‬الخصوصية‭ ‬وحدود‭ ‬الحديث‭.‬

فالطفل‭ ‬بطبيعته‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه،‭ ‬ويشعر‭ ‬بالفخر‭ ‬عندما‭ ‬يمتلك‭ ‬معلومة‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬تثير‭ ‬اهتمام‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يتعلّم‭ ‬من‭ ‬بيئته،‭ ‬فإذا‭ ‬اعتاد‭ ‬سماع‭ ‬الكبار‭ ‬يتناقلون‭ ‬أخبار‭ ‬الآخرين،‭ ‬فإنه‭ ‬يعد‭ ‬ذلك‭ ‬سلوكاً‭ ‬عادياً‭ ‬فيكرره‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬بعواقبه‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الوعي‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الخوف‭. ‬فالحوار‭ ‬الهادئ‭ ‬مع‭ ‬الطفل،‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬دوافعه،‭ ‬يفتحان‭ ‬باباً‭ ‬للتوجيه‭ ‬الصحيح،‭ ‬بينما‭ ‬يؤدي‭ ‬التوبيخ‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭ ‬إلى‭ ‬العناد،‭ ‬أو‭ ‬الكتمان‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الاقتناع‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬الطفل،‭ ‬منذ‭ ‬سنواته‭ ‬الأولى،‭ ‬أن‭ ‬للبيت‭ ‬خصوصيته،‭ ‬وأن‭ ‬حفظ‭ ‬الأسرار‭ ‬خُلق‭ ‬يعكس‭ ‬الأمانة‭ ‬والاحترام‭. ‬ويمكن‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬عبر‭ ‬مواقف‭ ‬يومية‭ ‬بسيطة،‭ ‬مع‭ ‬الثناء‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬تصرف‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬الثقة،‭ ‬لأن‭ ‬التعزيز‭ ‬الإيجابي‭ ‬أكثر‭ ‬أثرًا‭ ‬من‭ ‬العقاب‭.‬

كما‭ ‬تبقى‭ ‬القدوة‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬التربية؛‭ ‬فالطفل‭ ‬يراقب‭ ‬أفعال‭ ‬والديه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬نصائحهما‭. ‬فإذا‭ ‬التزم‭ ‬الكبار‭ ‬باحترام‭ ‬خصوصية‭ ‬الآخرين،‭ ‬نشأ‭ ‬الأبناء‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬نفسه‭.‬

إن‭ ‬بناء‭ ‬شخصية‭ ‬أمينة‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬داخل‭ ‬المنزل‭. ‬وعندما‭ ‬يتعلم‭ ‬الطفل‭ ‬أنّ‭ ‬الكلمة‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وأن‭ ‬الثقة‭ ‬كنز‭ ‬لا‭ ‬يُفرَّط‭ ‬فيه،‭ ‬فإنه‭ ‬يكبر‭ ‬وهو‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭ ‬واحتراماً‭ ‬لنفسه‭ ‬وللآخرين،‭ ‬فتترسخ‭ ‬لديه‭ ‬قيم‭ ‬الأمانة‭ ‬وحفظ‭ ‬الخصوصية،‭ ‬وهما‭ ‬أساس‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬السليمة‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى