
في ظل التحوَّل الرقمي الذي تشهده المؤسسات المالية في بلادنا برزتْ منظومة «المرتب اللحظي» كأداة حديثة لتنفيذ الأحكام القضائية بسرعة وكفاءة غير أن هذا التطور رغم أهميته فتح بابا واسعا للنقاش خاصة عندما يتعلق الأمر بملف النفقة الشرعية باعتباره من أكثر الملفات ارتباطات باستقرار الأسرة وحقوقها الأساسية.
فهل نجحتْ هذه المنظومة في تحقيق العدالة بين الأطراف؟، أم أنها كشفت عن ثغرات عملية تحتاج إلى مراجعة؟
في هذا اللقاء، يجيب المحامي أحمد بن نعمة عن أبرز التساؤلات القانونية والواقعية المرتبطة بخصم النفقة عبر المرتب اللحظي.
إلى أي مدى ينسجم خصم النفقة عبر المرتب اللحظي مع الضمانات القانونية؟
يوضح المحامي أن تنفيذ النفقة لا يرتبط بوسيلة الخصم بقدر ما يرتبط بوجود سند قانوني صحيح، قائلا:
متى صدر أمر ولائي بالنفقة، أو حكم نهائي فإن جهة العمل ملزمة قانونًا بخصم القيمة المحدَّدة وإيداعها بخزينة المحكمة. أما منظومة «المرتب اللحظي» فهي مجرد أداة تنفيذ ورغم ما شاب تطبيقها من بعض الإشكاليات في البداية إلا أن ذلك لا يُعطل تنفيذ الأحكام.
هل توجد حدود قانونية لنسبة الخصم من المرتب؟
يشير إلى أن الأصل في التنفيذ هو الالتزام بما قضتْ به المحكمة دون تعديل من جهة العمل أو الموظف، موضحا
المبلغ المحكوم به يجب تنفيذه كما هو ولا يملك المحكوم عليه الاعتراض إلا عبر الطرق القانونية وفقًا لقانون الإجراءات الشرعية والقانون رقم )10( لسنة 1984 بشأن أحكام الزواج والطلاق وآثارهما.
في حال تعدّد أحكام النفقة، كيف يتم التنفيذ؟
يؤكد أن جميع أحكام النفقة تتمتع بالقوة القانونية ذاتها، قائلاً :
نفقة الزوجة، ونفقة الأبناء تنفذان دون تفضيل إحداهما على الأخرى وترتب وفق ما تقرَّره الجهة المختصة بالتنفيذ.
ما مسؤولية جهة العمل عند الخطأ، أو التأخير؟
يشدد بن نعمة على أن المسؤولية هنا جسيمة موضحًا:
تنفيذ الأحكام القضائية واجب لا تهاون فيه، وأي امتناع أو تأخير غير مبرر قد يعرض الموظف المختص للمساءلة القانونية، بل وحتى الجنائية، وفق نصوص قانون العقوبات.
ماذا عن حالات عدم كفاية المرتب؟
يصف هذه النقطة بأنها من أبرز الإشكاليات، قائلاً:
القانون الليبي اعتمد معيار اليسر والعسر في تقدير النفقة، لكن الواقع كشف عن قصور واضح؛ حيث صدرت أحكام بنفقات لا تتجاوز 200 دينار، وهو مبلغ لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات الطفل.
ويضيف:
سبق أن دعونا إلى تعديل التشريع، والاستفادة من تجارب عربية، مثل إلزام الممتنع عن الدفع بالعمل القسري لصالح سداد النفقة، بما يحقق الردع والعدالة.
كيف يمكن للزوج الطعن أو طلب تعديل النفقة؟
يوضح أن القانون منح هذا الحق، لكن بشروط، قائلاً :
يمكن اللجوء إلى دعوى الاعتراض أو دعوى تعديل النفقة وفق المادة )27(، غير أن قبولها يتطلب توفر شروط محددة”.
هل تصل النفقة للمستفيد في الوقت المحدد؟
يعترف بوجود بعض العوائق الإدارية، لكنه يؤكد محدوديتها:
قد يحدث تأخير في بعض الحالات، لكن الجهات العامة تدرك حساسية هذا الملف، وغالبًا ما يتم تدارك أي تأخير عبر تدخل المحكمة”.
ماذا يحدث عند تغير الحالة الاجتماعية للمستفيدة؟
- يوضح أن الإجراء قانوني بحت:
“إذا سقطت الحضانة، كحالة زواج المطلقة، يمكن للأب رفع دعوى لاسترداد الحضانة، وبصدور الحكم يتم إيقاف الخصم من جهة العمل”.
ما أبرز الإشكاليات في تطبيق المنظومة؟
- يرى أن التحديات كانت مرحلية: “ظهرت بعض العراقيل مع تحديث المنظومة المالية، لكنها في تحسن مستمر، والأمور تسير اليوم بشكل أفضل”.
كيف يتحقق التوازن بين حق المستفيد وحق المُنفق؟
يختتم بن نعمة برؤية حاسمة:
في ميزان القانون، تُقدّم مصلحة الأطفال باعتبارهم الحلقة الأضعف، وهو توجه منطقي ينسجم مع العدالة الاجتماعية لكن ذلك لا يمنع من ضرورة تطوير التشريعات لضمان حياة كريمة لجميع الأطراف
ختامًا :
بين نص قانوني واضح وتطبيق عملي لا يخلو من التحديات تبقى منظومة «المرتب اللحظي» خطوة متقدمة نحو تسريع تنفيذ أحكام النفقة لكنها في الوقت ذاته تضع المشرّع أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن تحقيق العدالة دون إرهاق طرف على حساب آخر؟
سؤال مفتوح، لا تزال إجابته تتشكل مع كل حالة تنفذ..ومع كل أسرة تنتظر إنصافًا لا يحتمل التأخير.


