مرايا

بين نارين حين يتحوّل خلاف العزوز والكنّة إلى أزمة تهدد الأسرة

فايزة العجيلي

لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬سوى‭ ‬عودة‭ ‬عادية‭ ‬من‭ ‬حفل‭ ‬زفاف‭ ‬عائلي،‭ ‬لكنها‭ ‬تحولتْ‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬كشفتْ‭ ‬هشاشة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬الليبية،‭ ‬حين‭ ‬تتغلب‭ ‬المشاعر‭ ‬والانفعالات‭ ‬على‭ ‬الحكمة،‭ ‬ويصبح‭ ‬الابن،‭ ‬أو‭ ‬الزوج‭ ‬عالقًا‭ ‬بين‭ ‬برّ‭ ‬والدته،‭ ‬وحماية‭ ‬زوجته‭.‬

تروي‭ ‬‮«‬منى‮»‬‭ ‬قصتها‭ ‬قائلة‭:‬‭ ‬إنّ‭ ‬الأمسية‭ ‬بدأتْ‭ ‬جميلة،‭ ‬فقد‭ ‬حضرتُ‭ ‬مع‭ ‬أم‮ ‬‭ ‬زوجي‭ ‬حفل‭ ‬زفاف‭ ‬إحدى‭ ‬قريبات‭ ‬العائلة‭. ‬كانتْ‭ ‬الأجواء‭ ‬مفعمة‭ ‬بالفرح،‭ ‬ولم‭ ‬يخطر‭ ‬ببالي‭ ‬أن‭ ‬دقائق‭ ‬قليلة‭ ‬ستقلب‭ ‬السهرة‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬لن‭ ‬تنساها‭.‬

خلال‭ ‬الحفل،‭ ‬تقدمتْ‭ ‬امرأة‭ ‬من‭ ‬أقارب‭ ‬العائلة‭ ‬لتحيتها‭ ‬والسلام‭ ‬عليها‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬‮«‬منى‮»‬‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬قديم‭ ‬مع‭ ‬حماتها‭ ‬بسبب‭ ‬نزاعات‭ ‬عائلية‭ ‬مضى‭ ‬عليها‭ ‬سنوات‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬بادلتها‭ ‬السلام‭ ‬وتحدثت‭ ‬معها‭ ‬لدقائق‭ ‬بدافع‭ ‬الذوق‭ ‬والاحترام،‭ ‬حتى‭ ‬كانت‭ ‬عيون‭ ‬العزوز‭ ‬تراقب‭ ‬المشهد‭ .‬

تقول‭ ‬منى‭:‬‭ )‬هي‭ ‬اللي‭ ‬جتْ‭ ‬وسلمتْ‭ ‬عليّ،‭ ‬وما‭ ‬حبيتش‭ ‬نكسفها‭ ‬قدام‭ ‬النَّاس‭(. ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬تصرف‭ ‬اجتماعي‭ ‬طبيعي،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬عزوزتها‮ ‬‭ ‬كانتْ‭ ‬تفسر‭ ‬المشهد‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭.. ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحفل،‭ ‬ركب‭ ‬الجميع‭ ‬السيارة‭. ‬كان‭ ‬أحمد‭ ‬يقود‭ ‬المركبة،‭ ‬وجلستْ‭ ‬والدته‭ ‬في‭ ‬المقعد‭ ‬الخلفي،‭ ‬بينما‭ ‬جلستْ‭ ‬زوجته‭ ‬إلى‭ ‬جواره‭. ‬لم‭ ‬تكد‭ ‬السيارة‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬قاعة‭ ‬الأفراح‭ ‬حتى‭ ‬انفجرتْ‭ ‬العزوز‮ ‬‭ ‬غاضبة،‭ ‬ووجهتْ‭ ‬إلى‭ ‬كنّتها‭ ‬سيلاً‭ ‬من‭ ‬العبارات‭ ‬القاسية،‭ ‬متهمة‭ ‬إياها‭ ‬بأنها‭ ‬تعمدت‭ ‬إهانتها‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أمام‭ ‬النَّاس‭. ‬ردتّ‭ ‬‮«‬منى‮»‬‭ ‬بهدوء‭ ‬محاولة‭ ‬احتواء‭ ‬الموقف،‭ ‬وقالت‭: )‬والله‭ ‬ما‭ ‬قصدي،‭ ‬المرة‭ ‬هي‭ ‬اللي‭ ‬جت‭ ‬لعندي،‭ ‬وما‭ ‬حبيتش‭ ‬نحرجها‭(. ‬لكن‭ ‬كلماتها‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬العزوز‭ ‬التي‭ ‬أصرت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬زوجة‭ ‬ابنها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تقاطع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تقاطعه‭ ‬هي،‭ ‬وأن‭ ‬ولاءها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مطلقًا‭.‬

ازدادتْ‭ ‬حدة‭ ‬النقاش،‭ ‬وتحوَّل‭ ‬الخلاف‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬وجهتي‭ ‬نظر؛‭ ‬الأولى‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الاحترام‭ ‬يقتضي‭ ‬معاملة‭ ‬الجميع‭ ‬بأدب،‭ ‬والثانية‭ ‬تعد‭ ‬أن‭ ‬الوقوف‭ ‬مع‭ ‬العائلة‭ ‬يعني‭ ‬مقاطعة‭ ‬خصومها‭ ‬أيضًا‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬التوتر،‭ ‬وجد‭ ‬أحمد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬المواقف‭ ‬صعوبة‭. ‬فهو‭ ‬ابن‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يغضب‭ ‬والدته،‭ ‬وزوج‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬أن‭ ‬تُهان‭ ‬شريكة‭ ‬حياته‭. ‬حاول‭ ‬تهدئة‭ ‬الأجواء،‭ ‬لكن‭ ‬الغضب‭ ‬كان‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كلماته‭.‬

وفجأة،‭ ‬أطلقتْ‭ ‬الأمُ‭ ‬عبارتها‭ ‬الحاسمة‭: )‬يا‭ ‬تنزلها‭ ‬توا‭ .. ‬يا‭ ‬ننزل‭ ‬أنا‭(.‬

كانت‭ ‬لحظة‭ ‬صادمة،‭ ‬لم‭ ‬يتوقعها‭ ‬أحد‭.‬

نظر‭ ‬أحمد‭ ‬إلى‭ ‬زوجته‭ ‬بحيرة‭ ‬وقال‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭: )‬انزلي‭… ‬معليش‭ ‬يا‭ ‬منى،‭ ‬نوصل‭ ‬أمي‭ ‬ونرجع‭ ‬ناخذك‭(.‬

نزلتْ‭ ‬الزوجة‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬الليل،‭ ‬ووقفتْ‭ ‬وحيدة؛‭ ‬حيث‭ ‬رجع‭ ‬بها‭ ‬لصالة‭ ‬الفرح،‭ ‬بينما‭ ‬انطلقت‭ ‬السيارة‭ ‬مبتعدة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المشهد‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كسرًا‭ ‬لشعورها‭ ‬بالأمان‭ ‬والكرامة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ترك‭ ‬أثرًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬نفسها‭.‬

لكن‭ ‬المفاجأة‭ ‬كانت‭ ‬أن‭ ‬أحمد‭ ‬عندما‭ ‬عاد‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬إلى‭ ‬صالة‭ ‬الافراح‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬زوجته؛‭ ‬حيث‭ ‬تركها‭. ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬غادرت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ساعدها‭ ‬أحد‭ ‬أقاربها‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬أسرتها،‭ ‬بعدما‭ ‬رفضتْ‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬وحيدة‮ ‬‭ ‬في‮ ‬‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬الليل‭.‬

هذه‭ ‬القصة،‭ ‬على‭ ‬قسوتها،‭ ‬ليست‭ ‬حالة‭ ‬فردية‭. ‬فهي‭ ‬تعكس‭ ‬أزمة‭ ‬تتكرر‭ ‬داخل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت،‭ ‬حين‭ ‬تتحوَّل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬العزوز،‭ ‬والكنّة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬لإثبات‭ ‬النفوذ‭ ‬والسيطرة،‭ ‬ويصبح‭ ‬الزوج‭ ‬طرفًا‭ ‬ممزقًا‭ ‬بين‭ ‬واجبين‭ ‬كلاهما‭ ‬عزيز‭ ‬عليه‭.‬

فالزوجة‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬مع‭ ‬والدة‭ ‬زوجها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الأم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬زوجة‭ ‬ابنها‭ ‬باعتبارها‭ ‬خصمًا‭ ‬جاء‭ ‬ليسلبها‭ ‬مكانتها‭. ‬لكل‭ ‬واحدة‭ ‬منهما‭ ‬مكانها‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتقص‭ ‬من‭ ‬الأخرى‭.  

كما‭ ‬أن‭ ‬الزوج‭ ‬مطالب‭ ‬بالحكمة‭ ‬والعدل،‭ ‬فلا‭ ‬يسمح‭ ‬بإهانة‭ ‬أمه،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬أن‭ ‬تُمس‭ ‬كرامة‭ ‬زوجته،‭ ‬أو‭ ‬تُترك‭ ‬وحيدة‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬يمس‭ ‬أمنها‭ ‬وسلامتها‭. ‬فالعدل‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الانحياز،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬حماية‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭.‬

إنّ‭ ‬الخلافات‭ ‬العائلية‭ ‬القديمة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تُورَّث‭ ‬للأبناء،‭ ‬أو‭ ‬الأزواج،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬قيود‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭. ‬فالمجاملات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬واحترام‭ ‬النَّاس‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الخيانة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬برّ‭ ‬الوالدين‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ظلم‭ ‬الزوجة،‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭. ‬تبقى‭ ‬الأسرة‭ ‬هي‭ ‬الرابح‭ ‬الأكبر‭ ‬عندما‭ ‬ينتصر‭ ‬الحوار‭ ‬على‭ ‬الغضب،‭ ‬ويعلو‭ ‬الاحترام‭ ‬على‭ ‬الكبرياء،‭ ‬وتُحل‭ ‬الخلافات‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الانفعال‭ ‬والإهانات‭. ‬أما‭ ‬حين‭ ‬تُدار‭ ‬البيوت‭ ‬بمنطق‭ ‬الغلبة‭ ‬وكسر‭ ‬الإرادة،‭ ‬فإن‭ ‬الجميع‭ ‬يخسر؛‭ ‬الأم‭ ‬تخسر‭ ‬ابنها،‭ ‬والزوجة‭ ‬تخسر‭ ‬شعورها‭ ‬بالأمان،‭ ‬والزوج‭ ‬يخسر‭ ‬استقرار‭ ‬بيته،‭ ‬لتبقى‭ ‬المحبة‭ ‬هي‭ ‬الضحية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬بكلمة‭ ‬هادئة،‭ ‬أو‭ ‬اعتذار‭ ‬صادق،‭ ‬أو‭ ‬قلب‭ ‬يتسع‭ ‬للجميع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى