
لم تكن تلك الليلة سوى عودة عادية من حفل زفاف عائلي، لكنها تحولتْ إلى لحظة فارقة كشفتْ هشاشة كثير من العلاقات داخل الأسرة الليبية، حين تتغلب المشاعر والانفعالات على الحكمة، ويصبح الابن، أو الزوج عالقًا بين برّ والدته، وحماية زوجته.
تروي «منى» قصتها قائلة: إنّ الأمسية بدأتْ جميلة، فقد حضرتُ مع أم زوجي حفل زفاف إحدى قريبات العائلة. كانتْ الأجواء مفعمة بالفرح، ولم يخطر ببالي أن دقائق قليلة ستقلب السهرة إلى أزمة لن تنساها.
خلال الحفل، تقدمتْ امرأة من أقارب العائلة لتحيتها والسلام عليها. لم تكن «منى» تعلم أن تلك السيدة على خلاف قديم مع حماتها بسبب نزاعات عائلية مضى عليها سنوات. وما إن بادلتها السلام وتحدثت معها لدقائق بدافع الذوق والاحترام، حتى كانت عيون العزوز تراقب المشهد .
تقول منى: )هي اللي جتْ وسلمتْ عليّ، وما حبيتش نكسفها قدام النَّاس(. بالنسبة لها كان الأمر مجرد تصرف اجتماعي طبيعي، لكنها لم تدرك أن عزوزتها كانتْ تفسر المشهد بطريقة مختلفة تمامًا.. بعد انتهاء الحفل، ركب الجميع السيارة. كان أحمد يقود المركبة، وجلستْ والدته في المقعد الخلفي، بينما جلستْ زوجته إلى جواره. لم تكد السيارة تبتعد عن قاعة الأفراح حتى انفجرتْ العزوز غاضبة، ووجهتْ إلى كنّتها سيلاً من العبارات القاسية، متهمة إياها بأنها تعمدت إهانتها والتقليل من شأنها أمام النَّاس. ردتّ «منى» بهدوء محاولة احتواء الموقف، وقالت: )والله ما قصدي، المرة هي اللي جت لعندي، وما حبيتش نحرجها(. لكن كلماتها لم تجد طريقها إلى قلب العزوز التي أصرت على أن زوجة ابنها يجب أن تقاطع كل من تقاطعه هي، وأن ولاءها يجب أن يكون مطلقًا.
ازدادتْ حدة النقاش، وتحوَّل الخلاف إلى صراع بين وجهتي نظر؛ الأولى ترى أن الاحترام يقتضي معاملة الجميع بأدب، والثانية تعد أن الوقوف مع العائلة يعني مقاطعة خصومها أيضًا.
وسط هذا التوتر، وجد أحمد نفسه في أكثر المواقف صعوبة. فهو ابن لا يريد أن يغضب والدته، وزوج لا يقبل أن تُهان شريكة حياته. حاول تهدئة الأجواء، لكن الغضب كان أقوى من كلماته.
وفجأة، أطلقتْ الأمُ عبارتها الحاسمة: )يا تنزلها توا .. يا ننزل أنا(.
كانت لحظة صادمة، لم يتوقعها أحد.
نظر أحمد إلى زوجته بحيرة وقال بصوت خافت: )انزلي… معليش يا منى، نوصل أمي ونرجع ناخذك(.
نزلتْ الزوجة من السيارة في ساعة متأخرة من الليل، ووقفتْ وحيدة؛ حيث رجع بها لصالة الفرح، بينما انطلقت السيارة مبتعدة. لم يكن المشهد مجرد خلاف عابر، بل كان كسرًا لشعورها بالأمان والكرامة، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا في نفسها.
لكن المفاجأة كانت أن أحمد عندما عاد بعد دقائق إلى صالة الافراح ، لم يجد زوجته؛ حيث تركها. كانت قد غادرت بعد أن ساعدها أحد أقاربها على الوصول إلى منزل أسرتها، بعدما رفضتْ أن تبقى وحيدة في الوقت من الليل.
هذه القصة، على قسوتها، ليست حالة فردية. فهي تعكس أزمة تتكرر داخل كثير من البيوت، حين تتحوَّل العلاقة بين «العزوز، والكنّة» إلى ساحة لإثبات النفوذ والسيطرة، ويصبح الزوج طرفًا ممزقًا بين واجبين كلاهما عزيز عليه.
فالزوجة ليستْ في منافسة مع والدة زوجها، كما أن الأم لا ينبغي أن تنظر إلى زوجة ابنها باعتبارها خصمًا جاء ليسلبها مكانتها. لكل واحدة منهما مكانها الذي لا ينتقص من الأخرى.
كما أن الزوج مطالب بالحكمة والعدل، فلا يسمح بإهانة أمه، وفي الوقت نفسه لا يقبل أن تُمس كرامة زوجته، أو تُترك وحيدة في موقف يمس أمنها وسلامتها. فالعدل لا يعني الانحياز، بل يعني حماية الجميع من الخطأ.
إنّ الخلافات العائلية القديمة لا يجوز أن تُورَّث للأبناء، أو الأزواج، ولا أن تتحوَّل إلى قيود تفرض على الآخرين. فالمجاملات الاجتماعية واحترام النَّاس لا تعني الخيانة، كما أن برّ الوالدين لا يعني ظلم الزوجة، أو التقليل من شأنها. تبقى الأسرة هي الرابح الأكبر عندما ينتصر الحوار على الغضب، ويعلو الاحترام على الكبرياء، وتُحل الخلافات بعيدًا عن الانفعال والإهانات. أما حين تُدار البيوت بمنطق الغلبة وكسر الإرادة، فإن الجميع يخسر؛ الأم تخسر ابنها، والزوجة تخسر شعورها بالأمان، والزوج يخسر استقرار بيته، لتبقى المحبة هي الضحية الأولى في معركة كان يمكن أن تنتهي بكلمة هادئة، أو اعتذار صادق، أو قلب يتسع للجميع.


