رأي

هذه‭  ‬البلاد

جمعة‭ ‬عبد‭ ‬العليم

هذه‭ ‬البلاد‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صالحة‭ ‬للعيش،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬العبث‭ ‬السياسي‭ ‬المريع،‭ ‬والانقسام‭ ‬الكارثي‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬المدنية‭ ‬منها‭ ‬والأمنية‭.. ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الغلاء‭ ‬الفاحش‭ ‬الذي‭ ‬أرهق‭ ‬الفقراء،‭ ‬ولا‭ ‬لفساد‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬الذي‭ ‬أودى‭ ‬بحياة‭ ‬المرضى،‭ ‬وجعلهم‭ ‬أشتاتًا‭ ‬يطاردون‭ ‬أشباح‭ ‬الشفاء‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أصقاع‭ ‬الأرض‭.. ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الغش‭ ‬الذي‭ ‬أفسد‭ ‬آلاف‭ ‬الطلاب،‭ ‬الذين‭ ‬سيكونون‭ ‬أطباء‭ ‬الغد‭ ‬ومهندسيه‭ ‬وقادته‭ ‬وسياسييه‭.. ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬الأرزاق‭ ‬والأرواح،‭ ‬ولا‭ ‬بسبب‭ ‬التفاوت‭ ‬الطبقي‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬مرئيًا‭ ‬رأي‭ ‬العين‭..‬

هذه‭ ‬البلاد‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صالحة‭ ‬للعيش،‭ ‬بسبب‭ ‬ذلك‭ ‬الحقد‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬القلوب،‭ ‬والسخرية‭ ‬والاستخفاف‭ ‬بآراء‭ ‬الآخرين،‭ ‬والتشبث‭ ‬بالمفاهيم‭ ‬البائدة،‭ ‬وعبادة‭ ‬الأشخاص،‭ ‬وتزوير‭ ‬الحقائق‭.. ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬تُقابل‭ ‬فيها‭ ‬الكلمة‭ ‬بالسب‭ ‬والشتم،‭ ‬وتُستبدل‭ ‬فيها‭ ‬الرحمة‭ ‬باللعنة،‭ ‬وتُواجَه‭ ‬فيها‭ ‬الأفكار‭ ‬المغايرة،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الإصلاح،‭ ‬بالتكفير‭.. ‬بلادٌ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاختلاف‭ ‬فيها‭ ‬سبيلًا‭ ‬إلى‭ ‬الحوار،‭ ‬ولا‭ ‬النقد‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬الإصلاح،‭ ‬ولا‭ ‬الكلمة‭ ‬وسيلةً‭ ‬إلى‭ ‬التغيير؛‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬كلُّ‭ ‬رأيٍ‭ ‬مغاير‭ ‬تهمة،‭ ‬وكلُّ‭ ‬سؤالٍ‭ ‬إدانة،‭ ‬وكلُّ‭ ‬محاولةٍ‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬القطيع‭ ‬خروجًا‭ ‬على‭ ‬الجماعة‭. ‬ولعلّ‭ ‬الأخطر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬أن‭ ‬الخراب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وحدها؛‭ ‬لقد‭ ‬تسلل‭ ‬إلى‭ ‬النفوس،‭ ‬واستوطن‭ ‬العقول،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬يدافعون‭ ‬عن‭ ‬الخراب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬يدافعون‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى