
هذه البلاد لم تعد صالحة للعيش، ليس فقط بسبب العبث السياسي المريع، والانقسام الكارثي في جميع مؤسسات الدولة، المدنية منها والأمنية.. ليس بسبب الغلاء الفاحش الذي أرهق الفقراء، ولا لفساد قطاع الصحة الذي أودى بحياة المرضى، وجعلهم أشتاتًا يطاردون أشباح الشفاء في مختلف أصقاع الأرض.. ليس بسبب الغش الذي أفسد آلاف الطلاب، الذين سيكونون أطباء الغد ومهندسيه وقادته وسياسييه.. ليس بسبب الدمار الشامل الذي طال الأرزاق والأرواح، ولا بسبب التفاوت الطبقي الذي بات مرئيًا رأي العين..
هذه البلاد لم تعد صالحة للعيش، بسبب ذلك الحقد الذي يسكن القلوب، والسخرية والاستخفاف بآراء الآخرين، والتشبث بالمفاهيم البائدة، وعبادة الأشخاص، وتزوير الحقائق.. هذه البلاد التي تُقابل فيها الكلمة بالسب والشتم، وتُستبدل فيها الرحمة باللعنة، وتُواجَه فيها الأفكار المغايرة، التي تسعى إلى الإصلاح، بالتكفير.. بلادٌ لم يعد الاختلاف فيها سبيلًا إلى الحوار، ولا النقد طريقًا إلى الإصلاح، ولا الكلمة وسيلةً إلى التغيير؛ بل صار كلُّ رأيٍ مغاير تهمة، وكلُّ سؤالٍ إدانة، وكلُّ محاولةٍ للخروج من القطيع خروجًا على الجماعة. ولعلّ الأخطر من كل ما أصاب هذه البلاد أن الخراب لم يعد في مؤسساتها وحدها؛ لقد تسلل إلى النفوس، واستوطن العقول، حتى أصبح بعض الناس يدافعون عن الخراب كما لو أنهم يدافعون عن أنفسهم.



